|
|
|
|

اللغة العربية بينَ ضياعيْن
د. حسن عصفور
إن أسوأ ما يمكن أن يضيع من الإنسان هو هويته، وإن أكثر ما يميز هوية الإنسان هي لغته. وبرأيي لم تعد اللغة بالمعنى الذي ذكره «ابن جنّي» حينما سُئل عن تعريف اللغة، فقال: هي أصواتٌ يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم، لأنه لو اقتصر هدف اللغة على تلبية الأغراض، فإن ذلك لا يضمن استمرارها، فاللغةُ كأي حيِّ، بحاجة إلى من يغذّيها كل يومٍ بكل ما هو جديد لتبقى صالحة للاستخدام في كل عصر، وهي إن لم تمكّن نفسها جيداً، تكون عرضةً للضياعِ كما ضاعت قديماً لغات كثيرة كـ»الآرامية» و»الفينيقية»، و»الأكادية»، و»السريانية»، و»المصرية القديمة» وحديثاً كلغة «نجريب» في الكاميرون ولغة «ليكي» في غينيا الجديدة ولغة «كيسكانا» في البرازيل وغيرها الكثير من اللغات المنقرضة والأخرى المهددة بالانقراض لنفس السبب وهو انفصامها عن الواقع وعدم تغذيتها بما يستجدّ من جديدٍ.
تعتبر اللغة العربية أقدم اللغات السامية وأكثرها انتشاراً حتى اليوم، فحسب كتاب حقائق العالم « The World fact book» الذي يصدر سنوياً عن وكالة الاستخبارات الأمريكية “CIA”، فإن اللغة العربية تعد رابع أكثر اللغات تحدثاً في العالم على ألسنة ما نسبتهم 3.25 ٪ من سكان العالم بعد لغة الماندرين (المعروفة بالصينية) والإسبانية والإنجليزية. وبلغة الأرقام تشير الموسوعة الإلكترونية التابعة لشركة مايكروسوفت”Encarta” في النسخة قبل الأخيرة لها عام 2006 إلى أن العدد الإجمالي للناطقين بالعربية كلغة أساسية حوالي 422 مليون شخص بالإضافة إلى 40 مليون شخص آخرين يتحدثون اللغة العربية كلغة ثانية موزعين في غالبيتهم في دول الوطن العربي وبعض الدول المجاورة بالإضافة إلى الأقليات العربية المنتشرة في دول العالم المختلفة. كذلك تعتبر اللغة العربية ضمن الست لغات الرسمية المستعملة في اجتماعات الأمم المتحدة، حيث تُكتب بها جميع الوثائق الرسمية إلى جانب اللغات الإسبانية والإنجليزية والروسية والصينية والفرنسية. وهي تعتبر من أغزر اللغات من حيث المادة اللغوية بأكثر من 80 ألف مادة حسب لسان العرب لابن منظور في القرن الثالث عشر مقارنة بـ42 ألف مادة للغة الإنجليزية حسب قاموس صموئيل جونسون في القرن الثامن عشر .
هذه عينة من الأرقام والإحصائيات المذهلة التي ربّما يعرفها البعض للمرة الأولى فيما يتعلق بلغتنا العربية الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ البشري. ولستُ هنا أورد هذه الأرقام والإحصائيات بهدف التفاخر ورفع الرأس ونفخ الصدر، بل على العكس تماماً، أعرضها من أجل الشعور بالألم والمرارة وخفض العين وإحناء الظهر لأنها الحقائق التي تتطلب العمل من أجلها، والتدليل على أن موثوقية هكذا حقائق غير متعارضة مع التأثير المطلوب للناطقين بهذه اللغة السامية على العالم الذي يعيشون فيه. وليس هذا ما هو حاصلٌ، بل إن نشازاً مخيفاً هو الحاصل في الحقيقة، فحين ترى بالإحصائيات أن هؤلاء الناطقين بالعربية – بمركزهم المتقدم عددياً – جديرون بأن يكونوا من قادة العالم نحو التقدم والحضارة، تأتي حقائق أخرى لتلطم خدّي القارئ والعارف.
بلا فخر، فقد تصدّر «الصومال العربي» قائمة أفشل دول العالم حسب مؤشر الدول الفاشلة “The failed states index” الصادر عن مجلة فورين بوليسي الأمريكية “Foreign Policy” بجدارة في ست سنوات متتالية في الأعوام 2008، 2009، 2010، 2011، 2012، و2013 ! وإذا أردت أن تعرف البلد الذي كان متصدراً قائمة الدول الفاشلة قبل الصومال، فحسب المؤشر ذاته فإنه « السودان العربي « في العامين 2006 و2007. وقد جاء اليمن في المركز السادس، والعراق في المركز الحادي عشر في نفس القائمة لعام 2013 . وأزيدكم من الشعر بيتاً، فحسب تقرير منظمة الشفافية الدولية، حلت خمس دول عربية وهي «الصومال» و»السودان» و»ليبيا» و»العراق» و»سوريا» ضمن قائمة أكثر عشر دول فساداً في العالم على مؤشر “ Corruption Perception Index”. وليس غريباً كذلك على دليل “Henley & Partners” أن يصنف جواز السفر «العراقي» كثاني أسوأ جواز سفر في العالم، في حين يأتي الجواز «الصومالي» ثالثاً و»الفلسطيني» رابعاً و»السوداني واللبناني» سادساً و»السوري والليبي» سابعاً !
أعتقد بأن هذا المقال قد تشوه بالأرقام، حيث هو أدبي القصد، ولكن لا بأس، لأن هذه هي الحقيقة الصارخة، وما أريد في حقيقة الأمر ليس سوى فقع بالون الصمت واللادراية حتى نشعر بألم الانفقاع صفعة على خدودنا، لعل من كان نائماً أن يستيقظ، أما من هو ميتٌ، فإلى تصريف ربّه، ولا بأس إن لم يسمع.
نعود إلى الموضوع الأساسي، وهو التنويه بخطر ضياع اللغة، وأتحدّث بجدّيةٍ عن احتمالية ضياع «اللغة العربية» ذات يوم، فليست أعداد الناطقين بها تبعث في النفس على الطمأنينة بقدر ما يبعث إهمالها في مجال البحث العلمي على الخوف والرعب. فأينَ اللغة العربية الآن من التكنولوجيا المعاصرة، ولك أن تتخيل لماذا استخدمْتُ هنا كلمة «تكنولوجيا» وإلى أي جذر تعود هذه الكلمة!، بالتأكيد لأني لا أعرف مدلولاً عليه غيره، وبالتأكيد هي لا تعود لأي جذر عربي وليست سوى إعادة كتابة بالأحرف العربية لما قيل بالإنجليزية.
لقد كانت اللغة العربية سبّاقةً في ميادين العلوم تدوّن بأحرفها أسماءَ ما يستجدُّ عليها من جديد فيما مضى، بينما اليوم ربّما لا يستطيع المهندس العربي أن يعبّر باللغة العربية عن أجزاء آلةٍ ما، ويشق على طبيبٍ عربي أن يصف الحالة المرضية لمريضه بلغةٍ عربيةٍ عصريةٍ، في حين لو تركتهما في مضمار بحثٍ أو مؤتمرٍ باللغة التي تعلما بها، فسينطلق لسانهما بدون قيد !
على النقيض تماماً فإن اللغة «العبرية» على مدى التاريخ، كانت تقتصر على الشعر الغنائي والطقوس الدينية فقط لدى اليهود، ففي القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، ألّف اليهوديان «يهودا بن هليفي» و»سليمان بن غابيرول» كتباً في الفلسفة والفكر، والمثير هو أن جميعها كان باللغة «العربية»، حيثُ كانوا يعيشون تحت ظلّ دولة المسلمين الناطقين بالعربية في الأندلس، في الوقت نفسه كانا ينظمان الأشعار الدينية والغنائية باللغة « العبرية»، هذا ما يؤكده الشاعر الألماني اليهودي «هنريك هايني». لكنهم بعد ذلك نهضوا بلغتهم – رغم استغلالهم لها في بناء الدولة المزعومة – إلى العصرية وحولوها من لغة غنائية وصلواتيّةٍ فقط إلى لغةٍ حيّةٍ تعيش الحاضر وتتغذى بكل جديد. فليس غريباً إذن، أن يُطلق الإسرائيليون عبارة «الكارثة القومية» على كتابات اليهودية «يائيل دايان» باللغة الإنجليزية عن قضايا الإسرائيليين فقط لأنها تكتب بغير «العبرية»، رغم أن الناطقين بالعبرية حتى الآن لا يتجاوزون السبعة ملايين شخص!
لأن لي حقٌّا أن أقول ولي حقٌّا كذلك فيما استحق، فإن اللغة العربية بين ضياعيْن، ضياعٌ في الفجوة الحضارية بينها وبين هذا العصر، ضياعٌ في أعداد الناطقين بالعربية المهولِ، لأن هذا ليسَ إشارةً لكي نستريح، بل على العكس هذه إشارة لأن نرتعب، خصوصاً فيما نحرزه في مؤشرات الفساد والتخلف من صدارة .
القدس العربي
|
|
|
|
|
|