|
|
|
|

لغة التعليم والمجتمع المتجانس
أ. عبدالله السويجي
بعد أيام، ينتهي العام الدراسي وتبدأ العطلة الصيفية، يحزم المدرسون والإداريون وعدد كبير من أولياء الأمور، ومعهم أبناؤهم الطلاب، حقائبهم وينطلقون في إجازة طويلة . ولو تحدثنا بمنطق أكاديمي تربوي فإننا نقول إن عناصر العملية التعليمية بتشعباتها تدخل في سبات صيفي، حتى إذا انتهت العطلة وحان وقت عودة المدرسين والإداريين والطلاب، يبدأ كل طرف بتفقّد النواقص، وتنطلق الشكاوى المتعلقة بصيانة المدارس وتوفّر المدرسين والكتب الدراسية وغيرها . ولكن هل ينحصر اكتمال عناصر العملية التعليمية في المبنى المدرسي وجهوزية الهيئتين التعليمية والإدارية واكتمال عدد الطلاب؟
من الناحية الشكلية يكون الجواب بنعم، أما من الناحية الجوهرية التطويرية فإن الجواب يكون بلا، خاصة أن العملية التعليمية في بلادنا لا تزال في حاجة إلى تطوير جوهري والإجابة عن أسئلة ذات صلة وطيدة بهوية المخرجات التعليمية، ومستقبل الطلاب في سوق عملٍ يزداد تشعباً وتطلباً، فارضاً معايير جديدة تتعلق بالمهارات والخبرات التعليمية والثقافية وتحقيق التميز .
وهذه الأسئلة التطويرية تشمل التعليم العام والجامعي والدراسات العليا، وتقود إلى طبيعة التخصصات التي تحتاجها التنمية المستدامة، وتتطلبها برامج التوطين ومشاركة العنصر المحلي في القطاع الخاص، وهنا يصبح السؤال أبعد بكثير من شكل العملية التعليمية ليطرق باب الجوهر بإلحاح وعمق، خاصة مع التحديات اليومية التي تفرزها التنمية وزيادة عدد السكان، إضافة إلى التحديات التي يفرزها الاحتكاك مع الثقافات الأخرى والمجتمعات التي باتت تؤثر أساليب حياتها على أسلوب حياتنا، إن كان في اللغة أو الملبس أو المأكل أو المشرب أو في العلاقات الاجتماعية، وأخطر ما في الأمر أن تلك المجتمعات قد توصلت إلى أساليب حياتها بعد خبرة وتراكم وتجارب كثيرة خاضتها، واستطاعت تكوين أولوياتها والمحافظة على تراثها، وانطلقت إلى الحياة المدنية جامعةً بين تقاليدها الشعبية وطموحاتها المدنية، ونحن - كعرب بشكل عام- نأخذ خلاصة التجربة الظاهرة، أي التجربة المدنية، ونطبقها في حياتنا اليومية، وأصبح عنوان المدنية لدينا ينحصر في التحدث بلغة أجنبية، والتشبّه بشخصيات تلك اللغة، علماً أن اللغة تحمل في طياتها ثقافة تشمل الفكر والمعتقد والسلوك والتراث والعادات والتقاليد وطبيعة العلاقات الاجتماعية .
ولا غرابة أن يكون سؤال العملية التعليمية الأول باللغة، والسؤال لا ينحصر في: ما اللغة التعليمية التي نريد اعتمادها في مناهجنا في التعليم العام والجامعي؟ وإنما السؤال يجب أن يكون كالتالي: ما اللغة التي يجب أن تجيدها المخرجات التعليمية؟ وبمعنى أدق: ما اللغة التي نريد لطلابنا وطالباتنا أن يجيدوها -كتابة ومحادثة وقراءة- بعد تخرّجهم في التعليم العام أولاً، وفي التعليم العالي ثانياً؟
قد يتسرّع أحد الغيورين فيجيب: اللغة العربية، وقد يفكر غيور آخر بالأمر ويستعيد بعض حوارات الخريجين في الثانوية العامة أو الجامعات، أو قد يستعيد -رسالة أو تقريراً- كتبه زميل له في العمل -خريج جديد أو مر على تخرجه سنوات قليلة، ليكتشف أن الحوارات التي سمعها لم تكن باللغة العربية، وأن الرسالة أو التقرير كتب باللغة العربية، لكن الأخطاء التي وردت لا يرتكبها تلميذ في الصف الرابع ابتدائي . المشكلة تبرز حين تسمع التبرير من الشباب المتحاورين أو من الزميل صاحب الرسالة أو التقرير الذي قد يكون كالتالي: (نحن درسنا منهجاً بريطانياً أو أمريكياً)، وحين تبدأ بمحاورته ومحاولة إبراز أهمية إجادته للغة العربية، فإنه يجيب بطريقة تظهر حجم المشكلة كأن يقول: (لا حاجة لي للغة العربية، لا أستخدمها في مكان العمل . .)، وغالباً ما يكون يعمل في القطاع الخاص .
وهنا يتحول السؤال المطروح إلى أسئلة متتالية: ما لغة التعليم؟ ما اللغة التي يجب أن يجيدها الخريجون والخريجات؟ وما لغة سوق العمل؟ وعلينا أن نحسم الأمر عند الإجابة عن هذا السؤال مثلث الأضلاع ومتساوي الزوايا، وليس من الضروري أن يكون الجواب عن لغة التعليم أن تكون لغة واحدة، وليس من الضروري أن تكون اللغة التي يجب أن يجيدها الخريجون هي لغة واحدة أو اللغة العربية، وكذلك الأمر بالنسبة للغة سوق العمل .
بالنسبة للغة التعليم القائمة حالياً، اللغة الإنجليزية في المدارس الخاصة واللغة العربية في المدارس الحكومية، علينا الانتباه إلى أنه يصعب على طالب المدرسة الخاصة الاندماج مع طالب المدرسة الحكومية والعكس صحيح، وهذا التقسيم الحاد بين النوعين والفصل التعليمي والثقافي بين الطلبة خلق فجوة اجتماعية كبيرة بين الطرفين، ويحدث أن يعتقد طالب المدرسة الخاصة أنه أكثر تحضراً وثقافة ومدنية من طالب المدرسة الحكومية، لأنه يجيد لغة أجنبية، وفي الحقيقة أن المسألة لا تتعلق بمستوى التحضّر أو المدنية، ولكن بالفارق الثقافي بين الطالبين، أحدهما يقرأ كتباً بلغة أجنبية والآخر يقرأ كتبا باللغة العربية - مع الاعتراف أن طالب المدارس الخاصة يقرأ أكثر- وأحدهما يشاهد أفلاما أجنبية والآخر يشاهد أفلاماً ومسلسلات عربية، وهكذا، ما يجعل من قنوات الاتصال غائبة، إذ تنسحب نتائج اللغة على الأماكن التي يزورها الطلاب والتي غالباً ما تكون متصلة بثقافة غير عربية .
أما بالنسبة للغة التي يجب أن يجيدها الخريجون فهي واضحة: (اللغة العربية)، وإجادتهم لهذه اللغة لا يمنع من إجادة لغة أجنبية ثانية، والسؤال الذي يظهر متحدياً لنا جميعاً: لماذا يتخرج الطالب في الثانوية العامة في المدارس الحكومية بلغة عربية متواضعة ولغة أجنبية ضعيفة، بينما يتخرج الطالب من الثانوية العامة في المدارس الخاصة بلغة أجنبية قوية ولغة عربية ضعيفة؟ هل يكمن الخلل في الطالب أو في المنهاج التعليمي أو في البيئة التعليمية؟
أما بالنسبة للغة سوق العمل فهي اللغة الإنجليزية في القطاع الخاص وشبه الحكومي، واللغة العربية في القطاع الحكومي، ومن المفترض أن وجهة كل خريج معروفة، إذ من المفترض أن يتجه خريج التعليم الخاص إلى القطاع الخاص وشبه الحكومي، وخريج التعليم الحكومي إلى القطاع الحكومي، فلماذا نسبة المواطنين العاملين في القطاع الخاص لا تتعدى 3%؟ وهذا يعني أن معظم الخريجين يتجهون إلى العمل في القطاع الحكومي، وهو القطاع الذي بدأ يمزج في متطلباته بين القطاعين العام والخاص ليستقطب الخريجين .
إن أسئلة اللغة وهي ركن أساسي في العملية التعليمية جديرة أن تبقى مطروحة على بساط البحث لدى واضعي السياسات التعليمية بما فيها المناهج التعليمية، ليس كي نحصل على مخرجات متقدمة، ولكن كي نجسر الفجوة بين فئتين مهمتين في المجتمع، وهما فئة طلبة التعليم الخاص وفئة طلبة التعليم الحكومي، ولا بأس أن يتخرج الطالب في مدارس التعليم الحكومي مجيداً للغة العربية على أن يجيد اللغة الإنجليزية أيضاً، ولا بأس أن يتخرج الطالب في مدارس التعليم الخاص مجيداً للغة الإنجليزية على أن يجيد اللغة العربية أيضاً، أما أنصاف الحلول فهي لا تقود إلى مجتمع متجانس علمياً وعملياً .
الخليج
|
|
|
|
|
|