|
|
|
|

معك.. يا عبدالعزيز المانع.. اللغة العربية أولا
د. محمد بن أحمد الرشيد
مما هو الغالب في لقاءاتي ومجالساتي - مع من ألتقي بهم - الحديث عن اللغة العربية، وما يتصل بها.. وما يتخذ نحو الحفاظ عليها.. وموقف التربية والتعليم منها.. ومنذ أيام قريبة ضمني مجلس عند الأستاذ عبدالله الأحمد، وهو أحد أقاربي المقربين وأصدقائي المخلصين، إذ كان يحتفي في هذه الأمسية الجميلة بزميله في الدراسة الجامعية وصديقي العزيز الأستاذ الدكتور عبدالعزيز المانع؛ بمناسبة فوزه بجائزة الملك فيصل في اللغة العربية لهذا العام 1430ه.
٭٭ ٭٭ ٭٭
وكان من الحاضرين كذلك أخ عزيز، وزميل فاضل هو الدكتور محمد الهدلق، أستاذ النقد الأدبي والبلاغة بجامعة الملك سعود، الذي تربطني به كذلك وشائج قوية، وتجمعنا ذكريات غالية.. ودار الحديث - حول المعنى الكبير لفوز زميلنا بهذه الجائزة عن استحقاق وجدارة، وتناولنا فيما تناولنا حال اللغة العربية، وشعورنا المشترك بهوانها على بعض أهلها في العصر الحديث. وذكروا أنهم تابعوا مقالاتي المتعددة التي طالبت فيها بضرورة أن يكون التعليم في مدارس التعليم العام حكومية وأهلية في بلادنا باللغة العربية - وأن نبادر بتعليم اللغة الإنجليزية (لغة ثانية) من السنة الأولى الابتدائية بحكم انتشارها، وخاصة في المجال التجاري، والتقني، والنشر العلمي.
٭٭ ٭٭ ٭٭
ومما أدهشني هو ما قاله الزميل الدكتور الهدلق من أنه كان في مجلس ضم نخبة من الناس، ومن بينهم بعض منسوبي وزارة التربية والتعليم الذين علقوا على مقالاتي تلك بأني أنا الذي وافقت على وجود مدارس في بلادنا تعلم بغير اللغة العربية - وأن ما كتبته يتعارض مع ما سبق إقراره مني؛ فقلت له: إنهم بذلك يخالفون الحقيقة التي حدثت - وهي أن المدارس التي تعلم بغير اللغة العربية في بلادنا السعودية والتي وافقت على إنشائها هي فقط لأبناء جالياتها؛ فالمتحدثون بالإنجليزية لهم مدارسهم، وكذا المتحدثون بالفرنسية، والألمانية، والأردية، وغيرها.. مع إلزام هذه المدارس الأجنبية بدراسة شيء من اللغة العربية، وتاريخ، وجغرافية المملكة، ومن المنصوص عليه في هذا الشأن أنه لا يسمح لأبناء المملكة العربية السعودية بالدخول في هذه المدارس إلا لمن كانوا مع أهليهم قبل ذلك في البلاد الأجنبية التي تتكلم هذه اللغات، فيعطون فرصة محدودة لاستمرار تعلمهم باللغة التي درجوا عليها - ثم ينتقلون إلى المدارس التي تعلم اللغة العربية.. فقال لي هذا الزميل: إن هذه معلومة لا نعرفها، فقلت له: إني كثيراً ما أشرت إلى هذه الحقيقة فيما نشر من مقالات عن هذا الموضوع (وأذكر منها مقالاً نشر في جريدة الرياض في الثلاثاء 16 صفر 1428ه)، والذي بعده اتصل بي أصدقاء وعلماء كثيرون يثنون على موقفي في الدفاع عن اللغة العربية - وأذكر منهم العالم الجليل والدبلوماسي المحنك عضو أكاديمية المملكة المغربية الأستاذ عبدالهادي التازي الذي هاتفني يومها لأنه كان في الرياض، وشرفني بزيارة منزلي ليعبر لي عن اعتزازه بهذا الموقف مني، وصوابي في تبنيه.
٭٭ ٭٭ ٭٭
أعود لما كان من حديث مع زميلي الدكتور الهدلق ومن اعترضوا على ما قلته حول وجوب أن يكون التعليم العام في بلادنا الحكومي والأهلي منه باللغة العربية - وأن نبادر بتعليم لغة أجنبية من الصفوف الأولى الابتدائية. قلت له: إن خفي هذا على الأخوة الذين علَّقوا على مقالاتي.. كما أشرت - أنه إن خفي ذلك كله على هؤلاء المسؤولين - وأن المدارس الأجنبية هي لغير أبناء السعوديين، وأنا على يقين من أن هذه الحقيقة غير خافية عليهم - إنما هم بانتقادهم ما قلته وما فعلته أرادوا أن يسوغوا لهذا القرار الذي بموجبه سُمح مؤخراً لبعض المدارس الأهلية في بلادنا أن تعلم أولادنا بغير لغتنا في سائر المواد العلمية منذ بداية المراحل التعليمية، واستمر الحديث في لقائنا الذي أشرت إليه - وكان مما ذكر أمور منها:-
1 - التفريق بين ما نطلق عليه مدارس أجنبية، ومدارس أهلية - فالمدارس الأجنبية هي لأبناء الجاليات غير السعودية - كما سبق - وأما المدارس الأهلية فإنها مدارس سعودية وطنية يملكها المواطنون، ويتقاضون مصروفات دراسية من طلابها السعوديين وغيرهم، ويسري عليها كل ما يسري على المدارس الحكومية من شروط وقوانين بما في ذلك لغة التعليم.
٭٭ ٭٭ ٭٭
2 - تساؤل عن الأهم: هل إجادة اللغة العربية، أم إجادة لغة أجنبية - مع وجود ضعف في اللغة العربية!!
٭٭ ٭٭ ٭٭
3 - استفسار عن جدوى أن يبدأ الطالب تعلم المواد العلمية والرياضيات بلغة أجنبية. واستطرد المتسائل قائلاً: يا للعجب!! هذا الصبي العربي السعودي الذي في الصف الأول الابتدائي لماذا لا أقول له باللغة العربية أولاً (1، 2، 3، 4)، وأقول له (السماء، والأرض، والمعدة، والكلى، والكبد.. والجمع، والطرح، والقسمة، والضرب) وغير ذلك من مبادئ القراءة والحساب! وما هي الضرورة الداعية إلى أن أقولها له بغير اللغة العربية قبل أن يتعلمها بالعربية!!
٭٭ ٭٭ ٭٭
4 - في بلادنا التعليم إلزامي حتى آخر المرحلة المتوسطة، واللغة العربية هي اللغة الرسمية لتعليمنا ومعاملاتنا، وكل شؤون حياتنا؛ فهل يعني هذا أن نلزم الناس بشيء لا حدود له.. المقصود من الإلزام عندنا وعند غيرنا من الدول.. هو التقيد بأمور محددة معالمها.. وإلا لما أصبح هناك إلزام والتزام.
٭٭ ٭٭ ٭٭
وقال أحدهم: دعونا نفترض إطلاق العنان لأهل بلادنا يتعلم كل منهم ما يشاء باللغة التي يرغبها - فكيف يكون حال أبناء هذه البلاد وقد تعددت لغات أبنائها حديثاً وتعليماً وتنوعت مشارب ثقافتهم!!
إن اللغة لأي شعب تمثل ذاته، وتعبر عن كيانه - وإجادة الإنسان للغته الأم تثبيت له في الحياة.. وهذا حالنا مع لغتنا الخالدة. ليس هذا كلاماً إنشائياً، ولا نزعة نظرية - لكنها الحقيقة الواقعية المختلطة بنا في كل شؤوننا.. أنا عربي - أنت عربي - أي لغتك العربية.. وموطنك معروف بها، وفي كل بلاد العالم أنت عربي بلغتك حين تتكلم بها - مهما كان الزي الذي تلبسه.
٭٭ ٭٭ ٭٭
5 - وقال آخر: لنعط الناس حرية تعلم أبنائهم، يتعلمون بأي لغة يرغبونها، وكان الجواب: أن الأمر ليس حجراً على الحريات - وإنما هو تثبيت مكان لأركان أمة مثلها مثل بقية الأمم، ومن أهم الأركان لغة البلاد الأصلية.
ولو جاز إعطاء الحريات في هذا الأمر لكان سبباً في ترك بعض الناس للتعليم أصلاً.
ومرة أخرى.. إن الدول المتحضرة تلزم بالتعليم الذي تحدد أطر مناهجه، وبلغة هذه الدولة.
٭٭ ٭٭ ٭٭
وخلصنا في هذا المجلس إلى أن اللغة الأجنبية، وخاصة الإنجليزية قد أصبحت ضرورة عملية.. وأن تعلمها لغة ثانية من المراحل التعليمية الأولى هو العامل الأول في إجادتها.
ها هي الصين - مثلاً - سوف تصبح الدولة الأولى في العالم في تعداد من يتحدثون اللغة الإنجليزية فيها إلى عددهم الإجمالي، وذلك بسبب انتشار هذه اللغة لغة ثانية - وليس تغلباً للغة الإنجليزية أو تفضيلها على اللغة الصينية لغة البلاد أصلاً.
وهذا ما نريده للغة الأجنبية الثانية في بلادنا.. ثانية بعد الأولى.. الأم.. الهوية.. اللغة العربية.. لا قبلها أبداً.
٭٭ ٭٭ ٭٭
ثم دار الحديث على المستوى الجامعي - فتبين أن الجامعات المعترف بها في كل دول العالم تضع مقررات إجبارية في لغتها الوطنية - مهما كان تخصص الطالب.. بل إن الجامعات ذات الشهرة في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال توجب على طلابها حتى بعد اجتياز مقررات اللغة الإنجليزية الإجبارية توجب على الطالب أداء اختبار عام يؤكد قدراته اللغوية؛ بحيث يكون قادراً على الكتابة ببراعة وإتقان، فإن أخفق في ذلك الاختيار لا تمنحه الشهادة حتى يحقق المطلوب منه.
٭٭ ٭٭ ٭٭
وخلصنا جميعاً إلى ضرورة حماية أجيالنا الحاضرة والمستقبلية من أن تضعف قدراتهم في اللغة العربية، والعمل على تطوير أسلوب تعليمنا للغتنا، وأن تكون هي لغة التعليم، وبالذات في مراحل التعليم العام، ولكل المواد الدراسية، وأن تكون لها مقررات إجبارية في التعليم الجامعي مهما كان تخصص الطالب.
٭٭ ٭٭ ٭٭
إن المسؤولية تجاه هذه اللغة كبيرة على بلادنا السعودية؛ لأن أبناءها هم الذين حباهم الله شرف خدمة دينه ومقدساته منذ القدم - ولأنها اللغة التي شرفها الله بأن تكون لغة آخر كتبه المنزلة - فهي لغة عبقرية، وبلادنا مولدها، ومصدرها، وينبغي أن تكون لسانها القويم - إنها لغة تستحق منا كل العناية حتى لا تضيع - لا قدر الله - منا شرف إتقان الحديث بها.
٭٭ ٭٭ ٭٭
كما أننا انتهينا في آخر هذا اللقاء إلى أنه لا قيمة أن تخرِّج جامعاتنا متخصصين في ميادين علمية مختلفة، وخريجوها لا يتقنون ببراعة لغتهم العربية التي يطبقون بها ما تعلموه.. بل إننا اتفقنا جميعاً على طموح نسعى إليه جميعاً نحن أبناء هذه البلاد السعودية الكريمة أن يكون التعليم الجامعي في كل التخصصات بلغة عربية فصحى.. فهي قادرة على أن تعبر عن كل شيء في كل علم، وكل مجال وفن.. وقد ثبت علمياً تفوقها على جميع لغات العالم الذي تدرس كل أمة من أممه بلغتها طوال المراحل التعليمية بما فيها التعليم الجامعي مع قلة عدد الناطقين بها في بعض البلدان. وليس هناك إمارة على الشعور بالنقص مثل التخلي والزهد عن اللغة الوطنية.
٭٭ ٭٭ ٭٭
إني سعيد كل السعادة بما أخبرني به الأستاذ الدكتور عبدالعزيز المانع عن شعوره بالاعتزاز بجامعته - جامعة الملك سعود - التي احتفت بفوزه بهذه الجائزة القيمة رفيعة المستوى، وعلى رأسهم مديرها العزيز المبدع - الذي بجهده المشكور وضعها في مصاف الجامعات العالمية - الدكتور عبدالله العثمان، وتخصيص كرسي لغة العربية باسم صديقنا الدكتور المانع.
٭٭ ٭٭ ٭٭
وبالمناسبة وحتى لا تختلط المفاهيم عن المعنى الدائر ل (كرسي) أذكر أن (كرسي) في هذا المقام يعني التخصص، وسعة العلم في مجاله. إن هذا الكرسي للغة العربية - كما وصفه الدكتور المانع - سيساهم بفاعلية في تعزيز مكانتها في نفوس الطلاب، ويمكنهم من زيادة الإجادة لها، والحفاظ على فصاحتها، وسيطور أساليب تعليمها؛ لأن العلة - كما يبدو - تكمن في - وقتنا الحاضر - في الأساليب العقيمة في تعليمها.
٭٭ ٭٭ ٭٭
أبارك للصديق العزيز فوزه بهذه الجائزة، ولجامعاتنا - جامعة الملك سعود التهنئة خالصة.. والشكر لها على الإسهام في كل ما من شأنه النهوض باللغة العربية.. والحفاظ عليها، ومن ذلك أنها جعلت دراسة مقررات جامعية في لغتنا المجيدة إجبارية على الجميع مهما كانت تخصصات طلابها ليكونوا على مستوى متميز راق فيها.. أخذاً بالحكمة القائلة (من لا يجيد التعبير بلغته الأم في مجال علمه فلن يجيد التعبير بلغة غيره).
وأتفق معك يا دكتور عبدالعزيز المانع.. نعم.. اللغة العربية أولاً.
٭٭ ٭٭ ٭٭
وفقنا الله جميعاً إلى الخير والصواب، والأخذ بأسباب القوة مهما غلا ثمنها. اللهم اجعل صدورنا سليمة معافاة، وأمدنا يا ربنا بتأييد من عندك وتسديد.
جريدة الرياض
|
|
|
|
|
|