|
|
|
|

رحلة الخط العربي من الحجاز إلى رحاب العالم
باسل أبو حمدة
ثمة علاقة جدلية بين شكل الحرف ومضمونه اللغوي الذي لا يستقيم إلا باستقامة الكلمة التي تشكل بدورها العنصر الجوهري في الجملة وهكذا، لكن بالنسبة لمن يتكلم ويقرأ ويفهم لغة ما، فإن شكل الحرف الذي تكتب به تلك اللغة قد يتوارى في حالة الاستخدام اليومي والروتيني للغة، بينما يحتل شكل الحرف نفسه موقع الصدارة عندما يتراجع معنى الكلمة المكتوبة جراء عدم إجادة اللغة التي تنتمي إليها تلك الكلمة أو العبارة، الأمر الذي يفتح الباب واسعا أمام تأمل شكل الحرف من الناحية الجمالية وتحوله إلى فن أممي أو لغة بصرية انسانية يفهما أي كان بغض النظر عن اللغة أو اللغات التي يجيدها.
اللغات تجاورت وتصاهرت وانصهرت على مر التاريخ مسجلة أروع ملحمة تثاقف انسانية، فبينما كان ميزان السياسة والحروب ومحولات السيطرة يتأرجح، راحت اللغات ترسخ جذورها في شتى بقاع الأرض وبقي بعضها على قيد الحياة حتى بعد رحيل من أتى بها لهذه المنطقة او تلك من العالم، وهذا هو حال اللغة العربية التي انتشرت حيثما توسعت الحضارة الاسلامية بحكم أنها لغة القرآن الكريم، وفي رحلتها الطويلة تلك كان من الطبيعي أن تصطحب معها الخط العربي ، رحلة انطلقت من الجزيرة العربية، والعراق، والشام، وفارس، وخراسان، وما وراء النهر، والسند شرقًا، وامتدت إلى أرمينية، والقوقاز، وديار بكر، وآسيا الصغرى شمالا، مرورا بمصر و ببلدان شمال أفريقيا في مصر والمغرب الأقصى، والسودان غربًا، وليس انتهاء بالأندلس وصقلية، وجنوب فرنسا، وصولا إلى الصين وروسيا وغيرها من البلدان التي تردد في ربوعها صدى الدعوة المحمدية.
في إطار مشهد التأثر والـتأثير المتبادل الثقافي والحضاري هذا، أصبح الخط العربي حجر أساس في انتشار الحرف العربي وما أطلق عليه في مراحل متقدمة بفن الحروفية العربي ولا سيما عندما يتعلق الأمر بتلك الشعوب والبلدان التي اعتنقت الاسلام ولا تتكلم اللغة العربية، لكنها تجيد قراءة ورسم الحرف العربي من منطلق إيماني عقائدي مثلما تجيد نطقه دون أن تدرك معناه أحيانا، حتى ان الخط العربي امتزج مع خطوط وأشكال اخرى للكتابة بلغات أخرى مثل الهندية والفارسية والصينية وقبل هذه تلك التركية، ما أمده بمزيد من الزخم على المستويين الفني والجمالي خصوصا في حالة اللغة التركية الأصلية، التي كانت تكتب بالحرف العربي، فراح الخطاطون الأتراك يطورون الفن الحروفي حتى أصبحوا رواده بامتياز وذلك جنبا إلى جنب مع نظرائهم في حلب والشام وبغداد متخطين بذلك حتى نظرائهم من الخطاطين العرب.
مراحل تطور
لكن الخط العربي يبقى أحد أهم رموز اللغة العربية، وقد مر بالعديد من مراحل التطور قبل أن يستقيم على اشكاله المعتمدة في يومنا هذا، فاللغات العربية القديمة كانت تكتب بالخطين المسند والثمودي، ثم دخل الخط النبطي على اللغة العربية الحديثة فأخذ ذلك الخط مكان الخط الثمودي في شمال الجزيرة، وأصبح الخط المعتمد في «لغة مضر العربية الحديثة» نسبة إلى قبيلة مضر. أما لغة حمير العربية الجنوبية، فحافظت على الخط المسند. هذا بينما أخذ الخط النبطي ،الذي يعد أبو الخط العربي الحديث ، يتطور أيضًا، وكان أقدم نص عربي مكتشف مكتوبًا بالخط النبطي وهو نقش (النمارة) المكتشف في سوريا والذي يرجع لعام 328،وفي الفترة السابقة للإسلام كانت هناك خطوط أخرى حديثة للغة مضر مثل الخط الحيري، نسبة إلى الحيرة، والخط الأنباري ،نسبة إلى الأنبار. وعندما جاء الإسلام كان الخط المستعمل في قريش هو الخط النبطي المطور، وهو الخط الذي استخدمه كتّاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم في كتابة رسائله للملوك والحكام آنذاك. ويلحظ في صور بعض تلك الخطابات الاختلاف عن الخط العربي الحديث الذي تطور من ذلك الخط. وبعض المختصين يعتبرون ذلك الخط النبطي المطور عربيًا قديمًا، وأقدم المكتشفات المكتوبة به «نقش زبد» (568) و«نقش أم الجمال» (513م)، أما النقوش السبئية فهي أقدم النقوش العربية والتي يرجع بعضها إلى 1000 ق.م. امتد تأثير العربية في الكثير من اللغات الأخرى بسبب قداسة اللغة العربية بالنسبة للمسلمين إضافة إلى عوامل الجوار الجغرافي والتجارة .هذا التأثير مشابه لتأثير اللغة اللاتينية في بقية اللغات الأوروبية. وهو ملاحظ بشكل واضح في اللغة الفارسية حيث المفردات العلمية معظمها عربية بالإضافة للعديد من المفردات المحكية يوميا. أما اللغات التي للعربية فيها تأثير كبير (أكثر من 30٪ من المفردات) فهي الأردية والفارسية والكشميرية والبشتونية والطاجيكية وكافة اللغات التركية والكردية والعبرية والإسبانية والصومالية والسواحيلية والتيغرينية والأورومية والفولانية والهوسية والمالطية والبهاسا وديفيهي (المالديف) وغيرها. بعض هذه اللغات ما زالت يستعمل الأبجدية العربية للكتابة ومنها الأردو والفارسية والكشميرية والبشتونية والطاجيكية والتركستانية الشرقية والكردية والبهاسا (بروناي وآتشيه وجاوة).
فن قائم بذاته
كما دخلت بعض الكلمات العربية في لغات أوروبية كثيرة مثل الألمانية، الإنجليزية، الإسبانية، البرتغالية، والفرنسية، وذلك عن طريق الأندلس والتثاقف طويل الأمد بجذوره الضاربة في القدم ارتباطا بواقع أن الأرض العربية هي مهد الديانات السماوية الثلاث، في حين أصبح للحرف العربي في يومنا هذا متذوقون لا يجيدون اللغة العربية وينظرون إلى الحروفية العربية بوصفها فن قائم بذاته ولغة بصرية عالمية بعيدا عن أي دلالات لغوية أو عقائدية.
البيان
|
|
|
|
|
|