للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي الحادي عشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

اللغة بتاعة العرب

ياسر سعيد حارب

منذ فجر التاريخ، شُغل الإنسان بتدوين أفكاره وتساؤلاته واكتشافاته وطموحاته ومشكلاته على هيئة أشكال وحروف، كما فعل السومريون الذين اخترعوا الكتابة المسمارية التي يعدّها الباحثون أقدم أنواع الكتابة في التاريخ، والتي كانت تدون على ألواح الطين والخشب.

لقد عني السومريون والبابليون والآشوريون بتدوين اللغة بطرق مختلفة، حتى دوّن «حمورابي» قانونه الشهير على مسلّة حجرية تتربع اليوم في إحدى قاعات متحف اللوفر بباريس، ليشهد العالم كلّه عظمة ذلك القانون، الذي على الرغم من كونه كتب بلغة طواها التاريخ منذ زمن، إلا أنه وصل إلينا بعد آلاف السنين، في دلالة تاريخية على البعد الحضاري الذي تمثله اللغات في مسيرة الإنسانية.

لا تقتصر أهميّة اللغة على أنّها إحدى المكونات الرئيسية لهوية الأمّة التي تستخدمها، بل إنها تتعدى حدود الوطن لتقارب حدود الزمن الذي لا حدود له.فلغة الإنسان جزء من تكوينه المعرفي، وجزء من إرهاصاته الثقافية التي يتواصل بها مع الآخر ليفهمه ويتبادل الخبرات والتجارب معه.

عندما كانت أثينا مهبط الفلسفة والحكمة قبل الميلاد بعدة قرون، كانت أفئدة طلاّب العلم تهوي إليها من شتّى بقاع الأرض، وكان على الذي يريد أن ينخرط في سلك المعرفة أن يتعلّم اللغة الإغريقية التي كانت رمزاً للفكر والنور والحكمة، حتى أن المسلمين أيّام هارون الرشيد وابنه المأمون قد بالغوا في تعلّم لغة اليونان لينقلوا كتب الفلسفة والأدب إلى اللغة العربية ليتمكن الناس من الوصول إلى منابع الحكمة.

ثم دارت دورة الحضارة ليأخذ العرب والمسلمون حظّهم منها، فعندما بزغت شمس المعرفة في الأندلس كان الأوروبيون يبتعثون أبناءهم إلى الأندلس ليتعلموا اللغة العربية لتكون بوابتهم إلى باقي العلوم التي طوّرها المسلمون ودوّنوها باللغة العربية، حتى أن بعض الأوروبيين كانوا يتفاخرون بأن أبناءهم يعملون «مزيّنين» أو حلاقين في قرطبة، وكان يكفيهم شرفاً بأنهم يتعلمون لغة العرب من خلال ذلك العمل.

إن قوة لغة ما وانتشارها واشتغال الناس بها هو دليل على قوة الأمّة التي تستخدمها، فهي في أحيان كثيرة أقوى من الأسلحة العسكرية، فاليابانيون الذين غطّت منتجاتهم وتقنياتهم جميع أسواق العالم، لا يزالوا يحاولون نشر لغتهم عن طريق كتابتها على تلك المنتجات.فهم يعلمون تماماً، أن تحول لغتهم إلى لغة عالمية أهم بكثير من كل ما يقدمونه من تكنولوجيا إلى العالم.

إن تحول لغة ما إلى لغة عالمية أو على الأقل إلى لغة أدبية متداولة في صالونات الأدباء وأروقة الجامعات، يحتاج إلى إنتاج فكري وأدبي متراكم يمتد لعشرات السنين، ثم يحتاج إلى رموز فكرية وأدبية تعطي ذلك النتاج الأدبي مصداقية وترسخ مكانته على الساحة الثقافية العالمية.

لقد كانت اللغة الروسية أيام «تولستوي» والأديب العملاق «دوستويفسكي» هي اللغة الرسمية للأدب والرواية والمسرح آنذاك، حتى أن كثيراً من العرب تعلّم اللغة الروسية وتخصص في الأدب الروسي بسبب تلك الرموز العالمية، وقس على ذلك باقي اللغات التي ما إن يبزغ نجم مجموعة من الكتاب والروائيين فيها حتى ترى الناس يمموا نحو دراستها وتعلّمها عن كثب.

إن الذين يحترمون لغتهم يحترمون أنفسهم، وأولئك الذين يعتقدون بأن التطور الحضاري يجب أن يعبث باللغة ويحوّلها إلى مسخ فإنهم لا يتركون أي إرث إنساني للأجيال القادمة.لقد استطاع رجل واحد، الإيطالي «دانتي» ابن فلورنسا الوفي، أن يُحلّ اللغة الإيطالية محل اللاتينية، واستطاع أن يلخّص صراعات القرون الوسطى الأوروبية في رائعته العالمية «الكوميديا الإلهية» لتصبح بعدها اللغة الإيطالية إحدى أهم لغات الأدب العالمي منذ القرن الثالث عشر وحتى يومنا الحاضر.

إن تطوير اللغة بما بتناسب مع متطلبات الحاضر أمر ضروري، وخصوصاً في عصر يتّسم بغزارة المخترعات وتنوع المفاهيم العلمية والعملية التي تحتاج إلى مسميات جديدة، ولكن لا يعني ذلك أن يسعى بعض مروّجي اللهجات المحلية في بلد ما إلى تحويل تلك اللهجة إلى لغة مكتوبة، لتهمّش اللغة الأصلية وتتحول إلى لغة خاصة بالنخبة فقط!

فلقد كنت أتصفّح قبل أيام الموسوعة العالمية الحرة «ويكيبيديا» حيث كنت أقرأ مقالة عن بيروت باللغة العربية، وعندما نظرت إلى قائمة اللغات التي ترجمت إليها تلك المقالة وجدت «مصري» كأحد اللغات الرئيسية، وعندما قرأت ما كتب عن بيروت في تلك اللغة وجدت التالي: «بيروت هي العاصمة بتاعة لبنان» وقس على ذلك باقي النصوص المترجمة إلى اللغة «المصرية» التي يبدو أن مروّجيها جادّين في تقديمها إلى العالم على أنها لغة مستقلة بحد ذاتها، وأخاف أن يأتي يوم نجد فيه ترجمات باللغة «الشامية» وأخرى «بالخليجية».

لقد ساهمت اللغة العربية، ومن خلال القرآن الكريم خصوصاً، على توحيد ملايين البشر حول كلمة واحدة، وفكرة أصيلة واحدة، أسقطت الكثير من الحواجز الثقافية بين البشر.

فعندما يتواصل الماليزي المسلم مع الباكستاني المسلم، تكون اللغة العربية ـ التي تعد أحد القوالب الرئيسية للدين الإسلامي ـ هي عنصر التواصل بينهما، وإن كان ذلك التواصل من خلال وقوفهما للصلاة أو تلاوتهما للقرآن.

إن اللغة وسيلة لجمع الكلمة، وتقريب الأفكار، ولمّ شتات الشعوب، ولا يصحّ أن تجيّر في عكس ذلك.يقول نيلسون مانديلا: «إذا تكلّمت مع رجل بلغة يفهمها فإن كلامك يدخل عقله، ولكنك إذا كلّمته بلغته الأم فإن كلامك يدخل قلبه».

البيان

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية