للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي الحادي عشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

اللغة والتعليم من زاوية البحث العلمي

د.لطيفة النجار

ينساق الناس أحيانا، وهم في سعيهم المحموم نحو امتلاك شروط التقدم والسبق، إلى التعلق بقناعات تضخها لهم جهات مختلفة، لها من وراء ذلك مقاصد قد لا تفصح عنها في كثير من الأحيان.

وقد يأتي هذا الضخ والتزويد مدعوما بترسانة إعلامية محترفة، وبضغوطات اقتصادية وسياسية قوية، مما يجعل التساؤل حول هذه القناعات صفة الجاهل أو العاجز أو صاحب النظرة التشاؤمية الذي لا يجدر التوقف عند ما يقول؛ فقد يكون ذلك سببا في تعطيل المسيرة وإبطائها من دون سبب وجيه.

وأكثر المجالات التي نشعر أنها داخلة في سباق مع الزمن في مجتمعاتنا العربية في الوقت الراهن مجال التعليم، على الرغم من أنه مجال يحتاج إلى الكثير من التروي والتمحيص والتخطيط. وقضية لغة التعليم من القضايا الجوهرية الأساسية التي اختلطت فيها الأقوال، وحارت فيها الأفكار، حتى صار الحديث عن التعليم باللغة الأم في مقابل اللغة الإنجليزية حديثا تمجه الأسماع، وتنفر منه النفوس، وتصد عنه صدودا.

فأصبح المجال مفتوحا لكل مدّع أن يقول فيه ما يقول من دون سند علمي واضح، وغدا الجميع في هذا الأمر خبراء يدلون بأقوالهم التي تؤخذ مأخذ المرجعية الموثوق بصحتها.

وقد نتج عن ذلك حيرة عند بعض المخلصين، وكثيرا ما تصلني من بعض هؤلاء رسائل أو اتصالات يبثونني فيها همهم، وينقلون لي حيرتهم وتساؤلاتهم. وردا على مثل هذه الأسئلة أقدم للقراء هذه المعلومات التي أستند فيها إلى دراسات علمية حديثة موثقة:

تؤكد معظم الدراسات التي قامت على ملاحظة تأثير التعليم باللغة الأم أو باللغة الثانية على أنّ اللغة الأم هي أفضل وسيلة للتعليم، ونذكر هنا بعض هذه الدراسات:

* أشار التقرير السنوي لليونيسف للعام 1999 إلى أنّ بحثا موسعا حول لغة التعليم يبين أنّ الأطفال يظهرون سرعة في تعلم القراءة، واكتساب المهارات العلمية إذا تعلموا بلغتهم الأم، بل إنهم يظهرون سرعة في تعلم اللغة الثانية أكثر من أولئك الذين بدؤوا تعلم القراءة بلغة غير مألوفة لهم.

* وفي دراسة مقارنة بين التعليم باللغة الأم في ملاوي، والتعليم باللغة الإنجليزية في زامبيا، في المراحل التأسيسية، وهما دولتان تتحدثان اللغة نفسها، توصل الباحث إلى أن مستوى التلاميذ في مهارة القراءة باللغة الإنجليزية متقارب في المجموعتين، لكنّ مهارات القراءة باللغة الأم كانت أفضل في المجموعة الملاوية.

كما بينت الدراسة أنّ استخدام اللغة الإنجليزية لغة للتعليم أدى إلى نتائج ضعيفة مقارنة باستخدام اللغة الأم. ولذلك يعلق الباحث على ذلك بقوله: «الحقيقة بالنسبة لمعظم التلاميذ أنّ اللغة الإنجليزية بعيدة جدا عن أن تكون جسرا للمعرفة، بل هي في الحقيقة حاجز».

* وفي الصين أوضح عدد من العلماء استنادا إلى دراساتهم في هذا الشأن أن السبب الرئيسي للأداء العلمي الضعيف لأطفال الأقليات هو أن اللغة الأم للطفل لا تستخدم في المدرسة.

* وفي دراسة طويلة شملت أربعين ألف طفل في برامج تعليمية ثنائية اللغة في الولايات المتحدة، قام باحثان أميركيان بمقارنة نتائج أداء التلاميذ في اختبارات متعددة على مدى طويل، وتوصلا إلى أنّ الأطفال الذين بنوا أساسا قويا ومستمرا في لغتهم الأم.

بالإضافة إلى تعلم اللغة الإنجليزية، والتعلم باللغة الإنجليزية حققوا نتائج أعلى من أولئك الأطفال الذين نقلوا بسرعة للتعلم باللغة الإنجليزية وحدها. بل إن الدراسة أوضحت أنّ التمكن من اللغة الثانية (الإنجليزية) يعتمد على كمية ما يدرسه التلميذ باللغة الأم، فكلما زادت نسبة اللغة الأم في التدريس زاد تحصيل المتعلم باللغة الثانية.

ونسوق هنا بعض أهم النقاط التي توصلت الدراسات التي قامت على مقارنة التعليم باللغة الأم والتعليم باللغة الثانية: التعليم باللغة الأولى لا يعوق تعلّم اللغة الثانية، التعليم باللغة الأولى يساعد على تعلّم اللغة الثانية، تعلّم القراءة باللغة الأولى أسرع وأسهل من تعلّمها باللغة الثانية، ما يُتعلَّم باللغة الأولى يُستثمَر في تعلم اللغة الثانية أو التعلم باللغة الثانية.

واللغة الأولى تسمح للتلاميذ بتعلم محتوى المنهاج من بداية المراحل الأولى، التعليم باللغة الأولى يساعد التلاميذ على أن يكونوا أكثر تفاعلا مع المادة ومع بيئة التعلم. والتأسيس القوي للغة الأولى يساعد التلاميذ على النجاح في أعمالهم الدراسية المفروضة عليهم باللغة الثانية، اللغة الأولى تسمح بدور إيجابي واضح للوالدين في تعليم أبنائهم.

وتذكر الدراسات آثارا سلبية لاعتماد اللغة الثانية لغة للتعليم، خاصة في المراحل التأسيسية الأولى، نذكر منها:

قدرة المتعلم على قراءة نص باللغة الثانية لا يعد مؤشرا على قدرته على فهم النص، فقد يستغرق الأمر سنوات حتى يظهر المتعلم قدرة على فهم معنى ما يقرؤه، وقدرة المتعلم على فهم المادة العلمية ضئيلة جدا.

ولا تتحسن إلى أن يصبح متمكنا من اللغة الثانية تمكنا عاليا. والتفاعل بين المتعلم والمعلم يكون ضعيفا، ولذلك يسود نظام الاستظهار من غير فهم في الأنظمة التعليمية التي تعتمد اللغة الثانية لغة للتعليم، هدر نسبة كبيرة من الوقت في شرح مفردات اللغة الثانية وتفسيرها للمتعلمين، وهذا بدوره يضاعف جهود المعلم ويشكل ضغطا كبيرا عليه، ويصرف الوقت التعليمي في غير ما خصص له.

صعوبة تحديد أسباب الضعف عند التلاميذ، فلا يمكن الجزم أنّ ذلك مرده إلى طريقة التعليم، أو طبيعة المادة، أو مستوى التلميذ، أو بسبب لغة التعليم. استخدام اللغة الثانية لغة للتعليم، وإعطاؤها مساحة أكبر في المنهاج قد يقلل من قدرة المتعلم على الفهم بلغته الأولى، وباللغة الثانية أيضا.

وعلى الرغم من أنّ معظم الدراسات التي طبقت في المجتمعات متعددة اللغات أشارت إلى أنّ التعليم ثنائي اللغة يعد حلا جيدا، ومخرجا علميا مقبولا إلا أنّ بعض الباحثين يشير إلى أن التعليم ثنائي اللغة لا يستمر ثنائيا مدة طويلة، «فثنائية التعليم ظاهرة مؤقتة في الغالب، لأنه سيؤدي في النهاية إلى أحادية اللغة.

ولا يمكن أن يكون ظاهرة ثابتة إلا في وجود مجالات مهمة لاستعمال اللغتين معا. ولكن الأدلة التي جُمِعَتْ حتى الآن تُظْهِر أنّ المجالات التي خصصت للغات الأقليات تنتهك في الغالب بواسطة اللغة الأقوى. إنّ القانون هنا عملي (ذرائعي): الناس لا يبقون على لغتين إلى الأبد حين تكون إحداهما كافية في جميع السياقات» .

وإذا كانت الدراسات السابقة تركز على الجانب التربوي التعليمي للغة الأم أو اللغة الثانية، فإن دراسات أخرى في علم اللغة الاجتماعي، والإنثروبيولوجيا، وعلم الاجتماع تركز على العلاقة الوثيقة بين اللغة والهوية، وأثر تعلم اللغة الثانية أو باللغة الثانية على إعادة تشكيل الكثير من الأفكار والقيم في ذهن المتعلمين من خلال اللغة المكتسبة، إنّ هذه الدراسات «تنظر إلى تعليم اللغة على أنه تكييف اجتماعي أكثر من كونه اكتسابا» .

إنها ترى أنّ تعلم اللغة لا ينفصل عن تعلم تراث اللغة، وما تتضمنه من أفكار وقيم وما ترتبط به من تصورات وسلوكيات، فالمتعلمون يكتسبون اللغة ويتشربون معها مضامين اجتماعية كثيرة مثل القيم والميول والعواطف وغيرها.

البيان

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية