|
|
|
|

لماذا تحتضر هويتنا على أيدينا؟
ميساء راشد غدير
إن الانفتاح الذي تشهده الدولة فرض تواجد العديد من الجنسيات في الدولة. هذه الجنسيات تنتمي لثقافات مختلفة وتتحدث بلغات ولهجات مختلفة. وقد بدأت هذه الثقافات في فرض لغاتها بطرق منها كتابة أسماء المحال التجارية بلغات مختلفة لا تنتمي للعربية ولا حتى للإنجليزية التي يفترض أن غالبية غير الناطقين بالعربية يفهمونها.
ندرك أن الجهات الرسمية تشترط للحصول على ترخيص تجاري اختيار الاسم باللغة الإنجليزية أو العربية على اللوحة الإعلانية الخاصة بالنشاط سواء شركة أو مؤسسة أو محل، لكن ما نلاحظه أن هناك أسماء وبلغات أخرى بدأت تظهر في الساحة،
وهي بذلك تصور أحد أمرين: إما أن الجهات الرسمية قد اعتمدت لغات أخرى غير العربية أو الإنجليزية وهو ما نستبعده، أو أن بعضهم يتعدى بشكل واضح وصريح على تعليمات المؤسسات التي تصدر تلك التراخيص. قد يعتقد بعضهم أننا نبالغ لكننا رصدنا أسماء محال تجارية ومطاعم سميت بلغات لا نعرفها، الأمر الذي جعلنا لا نشعر فقط بأن لغتنا تائهة وسط هذا الخليط الثقافي، بل بتنا متأكدين أن هذه اللغة العربية في طريقها للاحتضار إن صمتنا عما نراه من ممارسات لا تطعن في لغة البلد الرسمية فحسب، بل تنتزع هوية هذا المجتمع انتزاعاً.
ألا يكفينا أن نرى اللغة العربية مغيبة في المؤسسات الحكومية والخاصة، وفي المطاعم والفنادق ومعظم الأماكن العامة؟ ألا يكفي أن اللغة العربية للأسف أصبحت هي اللغة الثانوية مقابل اللغة الإنجليزية التي أصبحت هي الرئيسة في دولتنا؟ بعضهم لا يدرك أهمية اللغة في حياة الشعوب، ولا يدرك ان حفظ اللغة وضمان استمراريتها هو حفظ لهوية وثقافة ووجود، بدليل تمسك بعض الشعوب بلغاتها وعدم تنازلهم عن استخدامها وإن كانوا يتقنون لغات غيرها.
لماذا لا تتابع البلديات في دولتنا مخالفات أصحاب الرخص التجارية؟ لماذا لا تجعل المؤسسات الحكومية باختلافها اللغة العربية الخيار الأول في تعاملها ولو من باب ذر الرماد في العيون؟ ندرك أن عدد المتحدثين بالعربية في مجتمعنا لا يقارن بعدد المتحدثين باللغات الأجنبية الأخرى،
لكن ذلك لا يعني أن نتجاهل ونتخلى عن لغتنا التي هي هويتنا لأسباب دائماً ما يكررها بعضهم ويحصرها في الانفتاح الاقتصادي وتواجد السائحين الذي يفرض ذلك، إذ إن تساهلنا في هذه القضية شجع على تجاهل اللغة العربية والتعدي في استخدام لغات أخرى ليس في التخاطب فحسب وإنما في فرض ثقافات أخرى أصبحت ضاغطة لطمس هوية هذا البلد.
الانفتاح الاقتصادي الذي تشهده الدول، واستقطاب الملايين من السائحين، وإقامة ملايين من الأجانب، وتنوع الثقافات في المجتمع، لا يعني أن نتنازل عن لغتنا وهويتنا ولا يعني أن نتخطى موروثاتنا. الحفاظ على اللغة العربية مسؤولية سامية لكل ناطق بها حريص على ثقافة مجتمعه وهويته، والتهاون في هذه المسؤولية هو إيذان بضياع هوية وثقافة مجتمع، فأهمية اللغة ليس في كونها لغة تخاطب فقط، بل كونها عنوان هوية لا يجدر بنا التنازل عنها أو التفريط فيها في وقت أحوج ما نكون فيه لهويتنا وثقافتنا ولغتنا التي تكاد تحتضر على أيدينا وبرضانا لا بيد غيرنا.
البيان
|
|
|
|
|
|