للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي الحادي عشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

لغتنا الحائرة

د. فاطمة الصايغ

لا يخفى على أحد ارتباط اللغة بالهوية. فاللغة تعد أهم مكون ودال على الهوية الوطنية والقومية حيث لا توجد مجموعة بشرية متجانسة إلا وتعد اللغة أهم مقوم مشترك لديها. ولذا فإن ما يهدد اللغة هو حتما يهدد الهوية المشتركة ومكونات الأمة الواحدة. وعلى صعيد أمتنا العربية تعد اللغة العربية من أهم المقومات المشتركة بين شعوبها. فاللغة تجمعها حتى عندما يفرقها الدين والإيديولوجية والعرق والإثنية وغيرها من المكونات الأخرى التي يرجح أنها تجمع الشعوب العربية.

عرفت جميع المجتمعات العربية، حتى الخليجية منها، التعددية الإثنية والعرقية حيث لا يخلو مجتمع عربي منها. وعلى الرغم من ذلك احتلت اللغة العربية مكانة خاصة بينها ليس بوصفها لغة القرآن أو اللغة الرسمية أو اللغة العالمية التي بدأت في الاستخدام على الصعيد الأممي، بوصفها إحدى اللغات الحية المتداولة بين ملايين البشر، ولكن بوصفها مكونا مهما من مكونات الهوية الوطنية. وعلى الرغم من هذا التجذر إلا أن لغتنا العربية بدأت تواجه مؤخرا عدة مهددات أدت إلى تهميشها وإقصائها في موطنها لتصبح غريبة تعاني من منافسة شرسة من قبل لغات ولهجات مهجنة كثيرة.

هناك عوامل كثيرة أدت إلى غربة لغتنا العربية في موطنها، بعض من هذه العوامل جاء كنتاج للمدنية والحداثة، والبعض الآخر نتيجة للتأثير الخارجي المتعمد الهادف إلى تفتيت الثقافات والهويات الوطنية فاسحا المجال لظهور هوية عالمية.

عوامل الحداثة يمكن تلخيصها في التقدم العلمي والتقني الذي عجزت اللغة العربية وشعوبها عن الأخذ بأسبابه. فبحكم أن البحث العلمي وسبل التواصل والاتصال جاءت على لسان لغات أجنبية، بدأ استخدام اللغة العربية يتراجع لصالح اللغات التي تنتج إنتاجا علميا ومعرفيا.

أسباب التراجع عديدة، فهناك من رمى باللائمة على اللغة العربية نفسها بوصفها لغة كلاسيكية ترفض تطوير ذاتها والأخذ بالجديد على الرغم من أن اللغات العالمية المماثلة قد طورت وطوعت نفسها وأخذت بنواحي التجديد اللغوي.

وهناك من رمى باللائمة على الغزو الثقافي الأجنبي الذي يحاول تفتيت الثقافات المحلية واللغة بوصفها مكونا وموحدا رئيسا لتلك الثقافات، وهناك من رمى باللائمة على الشعوب العربية نفسها التي بدأت «تستعر» من لغتها وتأخذ باللهجات واللكنات الأجنبية على حساب اللغة العربية السليمة حتى تقوقعت اللغة العربية على نفسها وأصبحت اللغة المستخدمة عبارة عن لهجة ركيكة ومهجنة عجزت حتى عن مجاراة اللهجات المشتقة من اللغات الأجنبية الحية فبدأت تظهر عليها أثار الشيخوخة والهرم وتركها الشباب وصارت لغة الشيوخ. حتى المثقفون اختاروا لهم لغة وسطا يستطيعون بها الإيفاء بمتطلبات الحداثة دون أي معوقات. إنها مجموعة من المبررات والأعذار التي بها تم هجر اللغة العربية لصالح لغات أخرى.

اجتماعياً مهددات اللغة العربية كثيرة ولكن ننسى أحيانا أننا كنا السبب فيما تعانيه اللغة العربية من هجر وإقصاء وتهميش في مجتمعاتنا العربية. فقد تولد لدينا أحساس أن لغتنا العربية غير كافية لإرضاء طموحاتنا العلمية والعالمية. هذا الإقصاء أدى إلى تهميش اللغة العربية اجتماعيا لصالح جملة من اللهجات العربية الركيكة. فأصبح للشباب العربي لغتهم الخاصة المحكية والمقروءة والمسموعة وانكمشت اللغة العربية الكلاسيكية لتصبح لغة الشيوخ ومن في حكمهم. فنحن لا نحتاجها خارج منازلنا وأحيانا كثيرة لا نحتاجها حتى في داخل منازلنا. نفتخر بأننا نحكى بغيرها ونتفاخر إذا ملكنا سواها. إنها غربة لغتنا العربية في مجتمعاتنا العربية.

هناك من يقول إن ما يحدث هو شيء طبيعي للغاية. فاللغة هي كائن حي يتطور ويموت. كما أن اللهجات المشتقة من اللغة الكلاسيكية هي شيء صحي ومعروف ومتداول في كل المجتمعات العالمية. بالإضافة إلى ذلك فاللغة العربية هي لغة كلاسيكية لا تصلح للاستخدام اليومي وفي التداول بين الناس في الشارع. فلها قواعد معينة ومخارج متعددة ومعان عصية على الشخص العادي. فهي عكس اللغة الانجليزية لا تصلح إلا للاستخدام الرسمي وفي المكاتبات الخصوصية.

إعلامياً بدأت اللغة العربية تواجه تحديات من نوع آخر لم تشهده في تاريخها. فلا يخفي على أحد الحيرة التي تقع فيها لغتنا العربية في إعلامنا العربي المتحضر وذاك الذي ما زال يسير على درب الحداثة. فعلى الرغم من أن الله عز وجل كرمها أن جعلها لغة القرآن الكريم، أي لغة الفصاحة والبلاغة والمعاني الدالة المتعددة، إلا أنها بالنسبة لإعلامنا المرئي والمسموع تعد عقبة في سبيل الحداثة والتمدن. فمنذ زمن طويل ترك الإعلام لغتنا العربية لحيرتها واختار لنفسه لغات ولهجات هجينة وركيكة فاسحا لها المجال لكي تنتشر وتكتسب أرضية وشعبية على حساب اللغة العربية السليمة.

أعذار الإعلام كثيرة ومبرراته عديدة منها سهولة الاستخدام والوصول السريع إلى قلب وعقل المشاهد والقارئ دون أي معوقات وأعذار أخرى كثيرة هي التي ساهمت في زيادة حيرة لغتنا بين أهلها وزيادة جرعة التهميش والإقصاء الذي تتعرض له وهو الأمر الذي جعلها تعيش في غربة حقيقة بين أهلها والمتحدثين بها.

غربة اللغة العربية هي غربة محلية فقط. فالأعجمي يفتخر بامتلاك ناصية اللغة العربية وإتقانها. فقد التقينا مع مستشرقين وأجانب كثر يفخرون أنهم تعلموا اللغة العربية وأتقنوا مخارجها وحروفها حتى العصية منها. فهناك حروف ومخارج في اللغة العربية لا يتقنها إلا من تربى على هذه اللغة وعرك لسانها ومارسها منذ الطفولة. أما في مجتمعاتنا العربية فالعكس هو الصحيح. فمن امتلكها فقط ولم يمتلك غيرها فهو يعد نفسه الخاسر الأكبر.

إن لغتنا تعيش في غربة حقيقة داخل مجتمعاتنا وغربتها يجب أن لا تستمر كثيرا. فلغتنا ليست مجرد وسيلة تخاطب واتصال بل هي مرآة تعكس هويتنا وتطورات مجتمعاتنا العربية وما حل بها من تغير. وإذا ما أردنا الحفاظ على هوية مجتمعاتنا وتماسكها في وجه العولمة الشرسة فعلينا الحفاظ على أهم مكون ألا وهو اللغة.

البيان

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية