|
|
|
|

العربيّـة تسـتغيث أهلها
أ.د. صلاح جرّار
خلال مشاركتي في ندوة عن الاستشراق وعلم الشرق في جامعة سراييفو، شكت لي إحدى أستاذات اللغة العربيّة في الجامعة من عدم تعاون الدول العربية مع برامج الدراسات العربية في البوسنة وقالت: إنّ خرّيجي أقسام اللغة العربيّة لا يجدون وظائف بعد تخرّجهم في سفارات الدول العربية في البوسنة وأن السفراء يفضّلون توظيف سكرتيرات يجدن اللغة الإنجليزية وليس العربية، وقالت إنّ آخر اهتمامات سفراء الدول العربيّة هو التواصل مع المؤسسات التي تعنى بالدراسات العربيّة.
وفي اليوم نفسه وبعد نحو أربع ساعات من هذا الحديث التقيت على مائدة الغداء مع الدكتور أسعد دوراكوفيتش أحد أكبر علماء الدراسات العربية في البوسنة، وقد ترجم القرآن الكريم إلى البوسنية وترجم ألف ليلة وليلة وترجم المعلّقات، وترجم مختارات من الشعر الأردني، وله عشرات المؤلفات عن التراث العربي، وحصل على جائزة اليونسكو التي تقدّمها الشارقة، حدّثني قائلاً إنه عندما حصل على هذه الجائزة عن مجمل إنتاجه العلمي في الدراسات العربية لم يتلقّ اتصالاً واحداً ولا برقية تهنئة واحدة من أي سفير عربي في البوسنة. وحدّثني بمرارة أيضاً أنّه عندما حصل على عضوية مراسل في مجمع اللغة العربيّة في القاهرة، لم يتصل به كذلك أيّ من السفراء العرب ولا حتى السفارة المصرية.
في البوسنة وفي غيرها من الدول الإسلامية والصديقة أناسٌ يحبّون العرب والعربيّة والتراث العربي ويحبّون أن يتعلّموا لغة القرآن الكريم وآداب العرب وثقافتهم، ولكنهم لا يجدون من الدول العربيّة ولا من الجامعات العربية ولا من الجامعة العربيّة ولا من السفارات العربية ولا من أولويات الدول العربيّة ما يلبي رغباتهم وطموحاتهم ولا ما يشجّعهم على الإقبال على دراسة العربيّة وآدابها وتراثها وثقافتها. وهذا يطرح تساؤلاً مهماً عن الدور الثقافي للبعثات الدبلوماسية العربيّة في الخارج، إذ لا يجوز أن يقتصر دور هذه البعثات على الجانب السياسي والدبلوماسي دون أن يكون للوسائل الثقافية دورٌ في تحقيق التواصل بين الشعوب المختلفة، فكيف إذا كان الأمر متعلقاً بدولٍ ترغب في تعزيز ارتباطها بالثقافة العربية واللغة العربيّة. وفي المقابل فإن الدول الأخرى تسعى على الدوام إلى نشر ثقافاتها ولغاتها في كل مكان يمكن الوصول إليه.
لقد دخلت اللغة العربيّة والدين الإسلامي إلى البوسنة وإلى منطقة البلقان مع وصول العثمانيين إليها في مطلع القرن السادس عشر الميلادي، ومنذ ذلك الوقت وأهالي تلك البلاد يولون الثقافة العربيّة اهتماماً كبيراً فأنشأوا المدارس التي تعلّم العربيّة وأنشأوا أقساماً للّغة العربية في جامعاتهم وألّفوا كتباً كثيرة بالعربيّة ما زال كثير منها مخطوطاً وتحتفظ به خزائن كتبهم وترجموا كتباً عربيّة كثيرة إلى لغاتهم المحليّة، وما زالوا إلى الآن يتشبّثون بالعربيّة وثقافتها وأهلها، غير أنّ العرب يديرون ظهورهم لهم إلاّ في حالات قليلة نادرة.
لذا فإنّ المطلوب في هذا الزمن الذي تتقطع فيه أوصال الأمّة أن نبحث عن كلّ ما يجمعنا بالشعوب العربيّة والإسلامية والصديقة وكلّ ما يعزّز من الجوامع المشتركة بيننا وبين تلك الشعوب، كي نعيد لهذه الأمّة ما بقي من أواصر المحبة والتعاون والتواصل.
الرأي
|
|
|
|
|
|