|
|
|
|

لغة الضاد.. في خطر
أ. مجدي الشاذلي
رغم الإمكانيات التي أتاحها الحاسوب وبرامجه المختلفة لتسهيل استخدامات اللغة العربية، إلا أنها تشهد في السنوات الأخيرة أسوأ فتراتها على الإطلاق، ليس لدى غير الناطقين بها وحدهم، ولكن الكارثة أن هذه الحالة من التردي في المستوى اللغوي تتفاقم لدى الناطقين والدارسين للغة الضاد. ولست في حاجة لمزيد من الجهد لتكتشف الجرم الكبير الذي يرتكب يوميا بحق اللغة العربية بأيدي أبنائها، إذ يكفيك أن تطالع أي موقع إخباري على الانترنت، لترى كم الأخطاء المتعمدة وغير المتعمدة التي يرتكبها المحررون، وإن وليت وجهك شطر مواقع التواصل الاجتماعي، وما تسطره الملايين من أبناء العروبة، فسوف ترى عجب العجاب!.
لن يكون غريبا أن ترى أشكالا جديدة تماما لكلمات لم يخطر ببالك يوما أن تكتب بهذه الصورة، وسوف ترى بسهولة جدا من يكتب كلمة "منذو" بدلا من "منذ"، وكلمة "نحنو" باعتبارها الشكل المطور من "نحن"، وكلمة "فظ" التي يقصد بها جيل الانترنت "فذ".. ناهيك عن عدم التفرقة بين الهاء والتاء المربوطة، أو عدم الالتفات نهائيا للهمزة، وعدم معرفة متى وأين توضع بالضبط!.
حتى سنوات قليلة.. كنا نستغرب من المستويات الهزيلة في اللغة العربية لبعض المتخرجين في الجامعات العربية العريقة، ولما كنا نسأل هؤلاء الخريجين عن السبب، كانت الإجابة دائما انهم تعلموا في مدارس أجنبية، ولكن الأدهى أن نرى الآن دارسين متخصصين في اللغة العربية وآدابها، ومع ذلك لا يجيدون استخدامها، فلا بلاغة في التعبير، ولا عذوبة في المعنى، ولا جزالة في الألفاظ، وحتى قواعد النحو لديهم ليست على ما يرام.
وإذا قدر لك الجلوس مع أحد أولياء الأمور هذه الأيام، وسألته عن مستوى أبنائه في اللغة العربية، فربما يفاجئك بسؤاله: وماذا سيستفيد أبنائي باللغة العربية طالما أن سوق العمل يفضل بل ويشترط أن يتقدم إلى الوظيفة الشاغرة أولئك الذين يجيدون التحدث باللغات الأجنبية؟.
إن لغة الضاد في مأزق حقيقي، وهذا ما أكده المجلس الدولي للغة العربية، حين عقد مؤتمرا في بيروت خلال العام الفائت، وناقش 250 بحثا ودراسة على مدى 88 ندوة وجلسة حول مجمل القضايا والتحديات التي تتعلق باللغة العربية.
وأطلق ذلك المؤتمر ما عرف بـ "وثيقة بيروت"، وأكدت الوثيقة على أن "اللغة العربية في خطر" وان "الجميع شركاء في حمايتها"، وأشارت الوثيقة كذلك إلى أن اللغة العربية هي اللغة الوطنية، وهي الأساس، ويجب على كل الأطراف تحصينها، بل وإعداد المعلمين والمعلمات المؤهلين لتنشئة جيل متآخ مع لغته الأم.
ورغم هذا.. مازال الاهتمام باللغة العربية يتراجع في جميع أنحاء الوطن العربي، بل إن السباق بين العرب نحو تعلم اللغات الأجنبية يزداد سرعة وحماسة، وهو توجه لا نستطيع أن نصفه بالسوء إلا إذا جاء على حساب اللغة العربية، وإذا أدى إلى المزيد من الإهمال للغتنا الأم.
ولا شك أخيرا..أن مسؤولية الحفاظ على اللغة العربية أمام طوفان العولمة وأمواجه الهادرة التي تجرفها الآن بقوة، هي مسؤولية مشتركة بين الحكومات بما لديها من خطط وإمكانات هائلة تمكنها من أداء دورها بفاعلية، وبين الأفراد بما يختارون لأبنائهم من أنواع ومستويات التعليم.
ويكفي أن نتذكر دائما أنها لغة القرآن ليظل شعور كل منا حاضرا بمسؤوليته الكبيرة نحو لغته العربية..وأن نبذل ما في وسعنا لإنقاذها من التراجع، وأن نباهي الآخرين باستخدامنا للغتنا العربية في كل تعاملات حياتنا
الشبيبة
|
|
|
|
|
|