للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي التاسع للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

الفرق بين الصّوت والحرف

د. نوال بنت سيف البلوشية


إن حقيقة العلاقة بين التّراث ووعينا المعاصر للعلوم العربيّة كعلاقة السّبب بالنّتيجة؛ إذ ليس للتّراث وجود مستقل خارج وعينا به، وفهمنا إيّاه. ووجوده المستقل إنّما يتمثّل في شكل من أشكال الوجود العيني، الّذي يُدرك بالحسّ ويخضع لمقاييس الفراغ المكانيّ الّذي يحتلّه رفوف المكتبات في شكل مجلدات مطبوعة أو محفوظة. وليس هذا الوجود العيني هو الّذي يعنينا؛ وإنّما الّذي يعنينا وجوده في معرفتنا وفي وعينا الثّقافي كالعروة الوثقى في العلوم العربيّة الحديثة.
وبذلك تعدّ اللّغة الإنسانيّة في جوهرها نظامًا نسقيًا يربط الصّوت بالمعنى، ويتجلى ذلك في التّواصل بين أفراد المجتمع اللّغوي، الّذي يجعل اللّغة نظامًا من العلّامات الدّالة الّتي تغطي مجالًا واسعًا من المفاهيم المرجأة إلى الخبرة الإنسانيّة.
من ذلك المنطلق كان من الضّروري  توضيح الفرق بين الصّوت والحرف في علوم اللّغة العربيّة؛ إذ لا يستطيع المُلاحِظ العادي لاستخدام اللّغة العربيّة أن يُفرّق بين الحرف والصّوت باعتبارهما شيء واحد؛ بخلاف الباحث المتعمق في علوم اللّغة العربيّة، فالفرق بين الصّوت والحرف؛ هو فرق ما بين العمل والنّظر أو بين أحد المفردات والقِسم الّذي يقع فيه؛ فالصّوت عمليّة نطقيّة تدخل في تجارب الحواس وعلى وجه الخصوص السّمع والبصر، يؤديه الجهاز النّطقيّ حركة، وتسمعه الأذن، وترى العين بعض حركات الجهاز النّطقيّ حين أدائه. أمّا الحرف فهو عنوان مجموعة من الأصوات يجمعها نسب معين، فهو فكرة عقليّة لا عمليّة عضليّة. وإذا كان الصّوت مما يوجده المتكلّم، فإن الحرف مما يوجده الباحث.



ومثال ما سبق صوت "النّون" في اللّغة العربيّة قبل أن يُسمى صوت "النّون" يندرج تحته عدد من الأصوات، يختلف فيما بينه في المخرج حدّ ما؛ فالنّون الموجودة في كلمة "نقول" مثلاً، غيرها في " إن ثار" أو " إن ظهر" و " إن شرق " أو " إن قام" وغير ذلك. وهذه الأصوات مختلفة المخارج، نطلق عليها جميعًا اسم " صوت النّون ".  ومثال ذلك أيضًا كلمة " سماء" تختلف من ناحية الصّفة، عنها في كلمة "سطاء" مثلاً؛ فهي الثّانية ذات قيمة تفخيميّة، ليست في الأولى؛ ومع ذلك نُسمى كلّ واحدة منها سينًا، ونرمز لهما في الكتابة برمز واحد، كما نرمز لأصوات النّون المختلفة فيما سبق، برمز واحد في الكتابة كذلك.
هذه الأصوات المختلفة، الّتي يُعبّر عنها في الكتابة برمز واحد، ولا تستخدم في اللّغة للتفريق بين المعاني المختلفة، هي ما يطلق عليه الغربيون اسم "فونيم" أي وحدة صوتيّة/ عائلة صوتيّة. ونحن يمكن أن نطلق عليها اسم حرف مقصود بها الرّمز الكتابيّ، ونعمل بذلك التّفريق بين الاصطلاحين: "صوت" و"حرف". فالصّوت هو ذلك الّذي نسمعه ونحسّه، أمّا الحرف فهو ذلك الرّمز الكتابيّ الّذي يتخذ وسيلة منظورة،  للتّعبير عن صوت معين، أو مجموعة من الأصوات لا يؤدي تبادلها في الكلمة، إلى اختلاف المعنى.
يتبين لنا مما سبق أنّ التّراث اللّغويّ العربيّ دليل حضارة شيّدت بنيانها وفق نظام، كان العقل المعماري فيه هو الأساس لكلّ تصور نظريّ وعمليّ، وإنّ تراثًا كهذا، لا يعقل أن يكون قد خلا من معالجات دلالية بمفهوم العلم كما ندركه الآن، خاصّة وأن التّراث اللّغوي يعدّ سمةً فارقةً لحضارة قومٍ، يمكن أن نطلق عليها "حضارة النّص".

    
المراجع
1.    ابن خلدون،  عبد الرحمن  أبو زيد ولي الدين (2004).مقدمة العلامة ابن خلدون المسمى ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر.بيروت: دار الفكر.
2.    ابن فارس، أحمد بن زكريا (د:ت). معجم مقايس اللغة. تحقيق عبد السلام هارون، بيروت.
3.    حانه، ماجدة توماس (2008). اللغة والاتصال في الخطاب متعدد المعاني. ترجمة د. ماري شهرستان. دمشق: كيوان للطباعة والنشر.
4.    زرال، صلاح الدين (2008). الظاهرة الدلالية عند علماء العربية القدامى حتى نهاية القرن الرابع الهجري. الجزائر: الدار العربية للعلوم ناشرون.
5.    الضامن، حاتم صالح (دت). فقه اللغة. وزارة التعليم العالي والبحث العلمي جامعة بغداد/ كلية الدراسات الإسلامية والعربية دبي.
6.    عبد التواب، رمضان (1985). المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي. القاهرة: -
7.    الغزالي، أبي حامد (1969).معيار العلم. القاهرة: دار المعارف.



التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية