|
|
|
|

اللغة والنهضة
أ. عبدالإله بلقزيز
من أهمّ ما احتفظت به العربُ من ذخائر ماضيها لسانُها. ما أكثر ما بدَّدتْهُ السنون من تلك الذخائر، فأتى علينا، منذ زمن، بالخَصَاصة وأحْوَجتْنا الظروفُ المتجدّدة إليه، ولعلها ما تكون ألجأتْنا-أحيانًا-إلى توسُّل المفقود عندنا بالموجود عند غيرنا، وكأنه ما كان لنا حظٌّ في صناعته يومًا. هل ننسى الفلسفة، مثلاً؛ التي هجرت ديارنا وثقافتَنا، منذ خواتيم القرن الثاني عشر للميلاد حتى نهاية النصف الأول من القرن العشرين الماضي؟ هل ننسى العلوم التي توقفت، عندنا، حركةُ إنتاجها منذ شدَّ الأواخرُ منّا الرحال من الأندلس؟ بل هل ننسى عملية الإبداع الحضاري التي لا يصدّق الأكثرون أنها كانت، في زمنٍ، حرفةً عربيةً بامتياز، قبل أن تزحف البداوة على عمراننا على ما شَهِد عليها الشاهد الأعدل: عبدالرحمن بن خلدون؟
أشياء كثيرة فقدناها في رحلتنا التاريخية القاسية من المعلوم إلى المجهول، ودفَعْنا لقاء فقدانها أبهظَ الغرامات وأفدحَها! وهل قليل أننا بِتْنَا، مُذْ حَلَّ بنا ذلك الفقدانُ وتوطَّن شعورُه القاتل فينا، يتامى أو في حكم اليتامى، وغَدَوْنا عالةً على غيرنا: نتوسَّل ما عنده أو نتسوّله؛ لا فرق! هل قليلٌ أننا صحونا في فجر عصرنا الحديث، قبل قرنين، على الحقيقة المخيفة التي ما برحت - حتى اليوم - تضغط على حاضرنا والمستقبل: التأخّر المزدوج؛ تجاه الماضي العربي الإسلامي وتجاه العصر الكوني!
من حسن حظّنا أننا حفظنا اللسان من التبدُّد والاندثار بفعل عوامل التعرية التاريخية، وما أكثرها! مرَّ بأرضنا غزاةٌ كُثرٌ اختطفوا الدولة وحكموا، وأزاحوا أهل الضّاد من السّدّة والسؤدد، وكان منهم المغول، والسلاجقة، والعثمانيون الترك، والفرنسيون، والانجليز،
والطليان، والإسبان؛ أقاموا في ديارنا ما شاء لهم ضَعْفُنا أن يقيموا، وبدّلوا في المؤسسات والنُّظم والقوانين والعوائد ما بدّلوه، وسرقوا من الثرَوات ما طالتْهُ أياديهم، لكنهم - في لحظةٍ من صحْوِ أهل الأرض - رحلوا من دون أن يَقْووا على اغتصاب اللسان. عند صخرته تكسرت موجاتُهم وانحسرت زَبَدَا.
ما من حاجةٍ بنا إلى التنفيل في القول إن حفظ اللسان، من آثار تلك الزلازل التي اهتزّت بها أركانُ المدنية العربية، به تَأَتَّى حفظ صلة التواصل التاريخي بالتراث الثقافي: الفكري والأدبي، وصوْن الذاكرة التاريخية للعربي. لسنا، هنا، في معرض جلاء حقيقة العلاقة بين اللسان والتراث الديني، وهل كان اقترانُه - كلسان - بذاك التراث هو ما حفظه، أم كان حفظ اللغة مما ساعد في حفظ التراث الديني، فتلك مسألةٌ فكرية مختلف فيها بين أهلها. لكن الذي لا خلاف عليه أن الاقتران بينهما أتى بالفائدة المزدوجة: على اللسان والدين.
وما من حاجةٍ بنا إلى مزيدِ بيانٍ وتبيين لما سمح به صوْنُ الذاكرة التاريخية والحضارية من إمكانيات؛ فهُوَ (صوْنٌ) ما توقّفت مفاعيلُه عند حدود تزويد العربيِّ بالشعور، الإيجابي، بالاستمرارية التاريخية فقط - على أهمية ذلك في مواجهة الشعور بالفراغ والعدم والسلبية الذي تولَّد من وطأة الانقطاعات الحادّة في تاريخنا - وإنما هي تعدَّت ذلك إلى تزويده بالموارد الفكرية والنفسية لمواجهة أسئلة حاضرٍ ومستقبل جديديْن قُذِف به إليهما في سياق زحف المدنيّة الحديثة وقِيَمِها. ذلك أن وظائف الذاكرة التاريخية ليست مَتْحَفية، ولا هي فقط سيكولوجية (=المفاخرة بماضٍ كميكانيزم دفاعي للتعويض عن الشعور بالتأخر أو بالدونية)، وإنما هي - في المقام الأول - وظائف اجتماعية وفكرية: تنشيط الفعالية الحضارية المنتجة، وتمكين المجتمع والأمّة من الموارد القابلة للاستثمار في عملية التنمية المعرفية والمجتمعية.
هذا درس أدركه النهضويون العرب، منذ القرن التاسع عشر، الذين اعتنوا باللغة العربية، عناية خاصة، وأفردوا لها أوسع مساحة ممكنة من مساحات اهتماماتهم؛ أكان ذلك في اشتغالهم عليها: تطويرًا وتجديدًا، أو في بيانهم مركزيتَها في أيّ رهان على النهضة والتقدم. إن الجَهد الإحيائي والتجديدي، الذي بذله هؤلاء- المسيحيون العرب منهم على نحوٍ خاصّ - أسفر عن إدخال اللغة العربية في قلب التحولات العلمية، والمعرفية، والاجتماعية، والسياسية الجديدة، التي أطلقتها المدنية الأوروبية الحديثة، وتنمية قدرتها التنافسية مع اللغات العالمية التي أُنتِجت العلوم والمعارف الحديثة بها. وكانت الترجمة من تلك اللغات إلى العربية حقل اختبارٍ كبير لقدرة هذه اللغة على التكيُّف مع متطلبات التقدم، واستيعابها في نظامها التعبيري، من طريق تطوير نُظُم الاشتقاق والاصطلاح. ولقد استمر هذا الجهد في القرن العشرين، غيرَ أن نصيبه من النجاح ظل أقلّ ممّا كان في عهد النهضويين.
على أنه لا سبيل إلى عزل هذا الشغف التجديدي، عند ذلك الرعيل الأول من المفكرين والأدباء النهضويين، عن رهانهم التاريخي الكبير على اكتساب الوسائل المفضية إلى النهضة والتقدم، وفي جملتها الموارد الثقافية؛ فلقد نظروا إلى اللغة بحسبانها ماهيةَ الحضارة والثقافة، والعاملَ المؤسِّس للشخصية، وأدركوا-مبكِّرًا- أن تبديد اللسان العربي هو أقصر طريق إلى محو الشخصية العربية، أو ابتلاعها. ونحن، اليوم، لا نملك أن نجادل في أن هذا الإدراك النهضوي المبكر لمكانة اللسان في كيان الأمّة وفي مشروع النهضة هو ما أسَّس لميلاد خطاب قومي عربي، في مطالع القرن العشرين، وحركة قومية بعد زوال الامبراطورية العثمانية. وهو إذا كان يفسِّر لماذا احتفل المفكرون القوميون العرب، منذ ساطع الحصري قبل قرن، بمسألة اللغة ومركزيتها في تكوين الأمّة، فهو يفسِّر - بالتَّبِعة - لماذا اتجهت السياسات الوطنية، بعد نيْل الاستقلال الوطني في معظم البلدان العربية، إلى التعريب بحسبانه رهانًا لا مهرب منه للتقدم على طريق النهضة؛ إذ لا نهضة لأمَّةٍ لا تكون بغير لسانها.
اليوم
|
|
|
|
|
|