للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  دعوة للمشاركة والحضور           المؤتمر الدولي العاشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

سر النبوغ في الأدب - 2

د. محمد سعيد حسب النبي

يخلص مصطفى صادق الرافعي إلى أن النابغة كأنه إنسان من الفلك، فهو يخزن الأشعة العقلية ويرقيها، وفي يده الأنوار والظلال والألوان يعمل بها عمل الفجر كلما أظلمت على الناس معاني الحياة، ولا تزال الحكمة تلقي إليه الفكرة الجميلة ليعطيها هو صورة فكرتها، وتوحي إليه معنى الحق ليؤتيها هو معنى جمال الحق، والطبيعة خلقها الله وحده، ولكنها ليست معقولة إلا بالعلم، وليست جميلة إلا بالشعر، وليست محبوبة إلا بالفن، فالنوابغ في هذا كله هم شروح وتفاسير حول كلمات الله، وكلهم يشعر بالوجود فناً كاملاً ويشعر بنفسه شرحاً أشياء من هذا الفن، ويرى معاني الطبيعة كأنما تأتيه تلتمس في كتابته وشعوره حياة أكبر وأوسع مما هي فيه من حقائقها المحدودة، وتتعرض له أحزان الإنسانية تسأله أن يصحح الرأي فيها باستخراج معناها الخيالي الجميل، فإنها وإن كانت آلاماً وأحزاناً إلا أن معناها الخيالي هو سرور تحمله للناس، إذ كان من طبيعة النفس البشرية أن تسكن إلى وصف آلامها وفلسفة حكمتها حين تبدو بصائها حاملة أثرها الإلهي، كأنه المؤلم ليس هو الألم، وإنما هو جهل سره. وبالجملة فالكون يختار في كل شيء مفسره العبقري ليكشف من غموضه ويزيد فيه أيضاً.. ثم ليؤتى الناس المثل الأعلى من المعنى على يد المثل الأعلى من الفكر، ولهذا تصيب الكلام الذي يكتبه النابغة الملهم في أوقات التجلي عليه كأنه كلام صور نفسه وصاغها، أو كأنه قطعة من الحس قد جَمَدَت في أسطر، ولابد أن تشعرك الجملة أنها قُذفت وحياً، إذ لا تجدها إلا وكأن في كلماتها روحاً يرتعش، ولقد يخطر لي وأنا أقرأ بعض المعاني الجميلة لذهن من الأذهان الملهمة كشكسبير والمتنبي وغيرهما –حين أتأمل اختراع المعنى وإبداع سياقه وضحى البيان عليه وإشراقه فيه وما أتيح له من جلال ظاهر في شكل حي يلمح بسره في النفس –يخيل إليّ من ذلك أن سر الطبيعة القادر يعمل عمله أحياناً بذهن إنساني ليخلق تعبيراً عن جلاله في مثل جلاله.
وأنت فلو أخذت معنى من هذه المعاني الآتية من الإلهام وأجريته في كتابة كاتب أو شعر شاعر من الذين ليس لهم إلا أذهانهم يكدُّونها، وكتبهم يجعلونها في أذهانهم أحياناً.. لرأيت الفرق بين شيء وشيء في أحسن ما أنت واجده لهم على نحو ما ترى بين زهرة حريرية جاءت من عمل الإنسان بالإبرة والخيط، وزهرة أخرى قد انبثقت عطرة ناضرة في غصنها الأخضر من عمل الحياة بالسماء والأرض.
والعبقري هو أبداً وراء ما لا ينتهي من جمال أوله في نفسه وآخره في الجمال الأقدس الذي مسح على هذه النفس الجميلة السامية، فما دام فيه سر العبقرية فهو دائب يعمل ممزِّقاً حياته في سبحات النور تمزيقاً يجتمع منه أدبه، وما أدبه إلا صورة حياته، وهو كلما أبدع شيئاً طلب الذي هو أبدع منه، فلا يزال متألماً إن عمل لأن طبيعته لا تقف عند غاية من عمله، ومتألماً إن لم يعمل لأن تلك الطبيعة بعينها لا تهدأ إلا في عمل، وهي طبيعة متمردة بذلك الجمال الأقدس تمرُّد العشق في حامله، إذ هما صورتان لأمر واحد كما سيشير إليه الرافعي، فكل ما تجده في نفس العاشق المتدله مما يترامى به إلى جنونه وهلاكه، تجد شبهاً منه في نفس العبقري، فكلاهما قانونه من طبيعته وحدها، إذ قد اتخذت حياته شكلها الفني من ذوقه وحده، فليس يتبع طريقة أحد، بل هو طريقة نفسه، وكلاهما مسترسل أبداً إلى جمال مستفيض على روحه يتقلب فيها باللذة والألم يرجع إليه ويستمد منه، وكلاهما لا يجد المعنى الجميل في الطبيعة معنى، بلا رسولاً من الجمال أُرسل إليه وحده، ولا يزال يشعر في كل وقت أن له رسائل ورسلاً هو بعد في انتظارها، وكلاهما متى ظفر بشيء من مصدر الجمال انتهى من شدة فرحه إلى الظن أنه ربح من الكون ربحاً لم يكن له من قبل، وكلاهما متهالك بين قيود الحياة التي في الحياة والواقع، وبين حريتها التي في خياله وأمله، كأن عليه في سبيل هذه الحرية أن يقطع الليل والنهار لا قيداً من قيود الاجتماع أو العيش، وكلاهما متصل بقوة غيبية وراء ما يرى وما يحس تجعل نظرته في الأشياء خاضعة لقانون النظرة العاشقة في العينين الساحرتين المعشوقتين، فإذا مد عينيه في شيء جميل فهناك سؤال وجوابه، ووحي ترجمته، ومرور من يقظة إلى حلم، وانتقال من حقيقة إلى خيال.
غير أن طبيعة العبقري تزيد على كل ذلك ألماً تنفرد به لا تستقر معه على رضا، ولا يبرح يسلط الإعنات عليها ويستغرها بالهموم السامية، وذلك ألم الكمال افني الذي لا يدرك العبقري غايته عند نفسه، وإن كان عند الناس قد أدرك غايات وغايات، فطبيعة كل عبقري تجهد جهدها في العمل لتخرج به مما يستطيعه الناس، فإذا تأتى صاحبها لذلك وكابد فيه وأدرك منه وبلغ وأعجز، اندفعت طبيعته إلى الخروج مما يستطيع هو.. كأنه خارج عن الطبيعة وداخل في الطبيعة ي وقت معاً، وكأنه نفسه وفوق نفسه في حال، وهذا سر حريته وسموه، كما أنه سر ألمه وحيرته.
ومن أثر ذلك –كما يقول الرافعي- ما تحسه أنت إذا قرأت للأديب البليغ التام صاحب الفكر والأسلوب والذهن الملهم، فإنك تقف على المعنى من معانيه يملأ نفسك ويتمدد فيها ويهتز بها طرباً وإعجاباً، فتقول: لا أحسن من هذا! ثم تؤمل مع ذلك أن تجد منه هو أحسن من هذا.. كأنه وإن تناهى إلى الغاية لا يزال عندك فوق الغاية، وهذا غريب، لكن لا دليل على العبقرية إلا الغرابة دائماً، فهي نظام لا نظام فيه، لأنها طريقة لا طريقة لها، وبهذه الغرابة جاءت العبقرية كلها أمثلة وليس فيها قواعد يحتذى عليها ولا هداية فيها إلا من الروح، وإذا كان الفن قدرة متصرفة في الجمال، فالعبقرية قدرة متصرفة في الفن، والنابغة كالمتكيس الذي معه قوى العقل ويريد أن يزداد على قدره منها، ولكن العبقري كالإلهي الذي معه قوى الروح يريد أن يزيد الناس على قدرهم بها، وذاك مرجعه الفكر الدقيق الباحث، وهذا مناطه البصيرة الشفافة النافذة، وهي أغرب الغرائب في الإنسان، إذ هي الجهة المطلقة في هذا المخلوق المقيد، وبها تتسع النفس لإدراك المطلق الظاهر من خلال الموجودات، وفيها تتحول الأشياء من نظام الحاسة إلى نظام الروح، فيسمع المرئي ويبصر المسموع، وتخلع الأجسام أنغاماً، وتلبس الأصوات أشكالاً ، ويبدو عندها كل مخلوق وكأنه فيه بقية زائدة على خلقه تركت ليعمل فيها الكاتب أو الشاعر المحدَّث عم

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية