للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  دعوة للمشاركة والحضور           المؤتمر الدولي العاشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

نقد الشعر وفلسفته - 1

د. محمد سعيد حسب النبي

يرى الرافعي أن الشاعر هو ذاك الذي يرى الطبيعة كلها بعينين لهما عشق خاص وفيهما غَزَلٌ على حدة، وقد خُلقتا مهيأتين بمجموعة لنفس العصبية لرؤية السحر الذي لا يرى إلا بهما، بل الذي لا وجود له في الطبيعة الحية لولا عينا الشاعر، كما لا وجود له في الجمال الحي لولا عينا العاشق. فإذا كان الشاعر العظيم أعمى كهوميروس وملتون وبشار والمعري وأضرابهم، انبعث البصر الشعري من وراء كل حاسة فيه، وأبصر من خواطره المنبثة في كل معنى، فأدى بالنفس في الوجود المظلم أكثر ما كان يؤديه بهذه النفس في الوجود المضيء، وقصر عن المبصرين في معان وأربى عليهم في معان أخرى، فيجتمع للشعر من هؤلاء وأولئك مدُّ النفس الملهمة مما بين أطراف النور إلى أغوار الظُّلمة.
والشعر كما يقول الرافعي- في أسرار الأشياء لا في الأشياء ذاتها، ولهذا تمتاز قريحة الشاعر بقدرتها على خلق الألوان النفسية التي تصبغ كل شيء وتلونه لإظهار حقائقه ودقائقه حتى يجري مجراه في النفس ويجوز مَجَازَه فيها. فكل شيء تعاوره الناس من أشياء هذه الدنيا فهو إنما يعطهم مادته في هيئته الصامتة، حتى إذا انتهى إلى الشاعر أعطاه هذه المادة في صورتها المتكلمة، فأبانت عن نفسها في شعره الجميل بخصائص ودقائق لم يكن يراها الناسُ كأنها ليست فيها.
فالبشعر تتكلم الطبيعة في النفس وتتكلم النفس للحقيقة وتأتي الحقيقة في أظرف أشكالها و}أجمل معارضها، أي في البيان الذي تصنعه هذه النفس الملهمة حين تتلقى النور من كل ما حولها وتعكسه في صناعة نورانية متموجة بالألوان في المعاني والكلمات والأنغام.
والإنسان من الناس يعيش في عمر واحد، ولكن الشاعر يبدو كأنه في أعمار كثيرة من عواطفه، وكأنما ينطوي على نفوس مختلفة تجمع الإنسانية من أطرافها، وبذلك خُلق ليُفيض من هذه الحياة على الدنيا، كأنما هو نبع إنساني للإحساس يغترف الناس منه ليزيد كل إنسان معاني وجوده المحدود ما دام هذا الوجود لا يزيد في مدته، ثم ليرهف الإنسان بذلك أعصابه فتدرك شيئاً مما فوق المحسوس، وتكتنه طرفاً من أطراف الحقيقة الخالدة التي تتسع بالنفس وتخرجها من حدود الضرورات الضيقة التي تعيش فيها لتصلها بلذات المعاني الحرة الجميلة الكاملة، وكأن الشعر لم يجئ في أوزان إلا ليحمل فيها نفس قارئه إلى تلك اللذات على اهتزازات النغم، وما يطرب الشعر إلا إذا أحسسته كأنما أخذ النفس لحظة وردها.
والشاعر الحقيق بهذا الاسم –أي الذي يغلب على ويفتتح معانيه ويهتدي إلى أسراره ويأخذ بغاية الصنعة فيه- تراه يضع نفسه في مكان ما يعانيه من الأشياء وما يتعاطى وصفه منها، ثم يفكر بعقله على أنه عقل هذا الشيء مضافاً إليه الإنسانية العالية، وبهذا تنطوي نفسه على الوجود فتخرج الأشياء من خلقة جميلة من معانيها وتصبح هذه النفس خليقة أخرى لكل معنى داخلها أو اتصل بها، ومن ثم فلا ريب أن نفس الشاعر العظيم تكاد تكون حاسة من حواس الكون في رأي الرافعي.
ولو  سُئلت أزمان الدنيا كيف فهم أهلها معاني الحياة السامية وكيف رأوها في آثار الألوهية عليها، لقدم كل جيل في الجواب على ذلك معاني الدين ومعاني الشعر. وليست الفكرة شعراً إذا جاءت كما هي في العلم والمعرفة، فهي في ذلك علم وفلسفة، وإنما الشعر في تصوير خصائص الجمال الكامنة في هذه الفكرة على دقة ولطافة كما تتحول في ذهن الشاعر الذي يلونها بعمل نفسه فيها ويتناولها من ناحية أسرارها. فالأفكار مما تعانيه الأذهان كلها ويتواطأ فيه قلب كل إنسان ولسانه، بيد أن فن الشاعر هو فن خصائصها الجميلة المؤثرة، وكأن الخيال الشعري نحلة من النحل تلم بالأشياء لتبدع فيها المادة الحلوة للذوق والشعور، والأشياء باقية بعد كما هي لم يغيرها الخيال، وجاء منها بما لا تحسبه منها؛ وهذه القوة وحدها هي الشاعرية.
فالشاعر العظيم كما يرى الرافعي لا يرسل الفكرة لإيجاد العلم في نفس قارئها حَسْبُ، وإنما يصنعها ويحذو الكلام فيها بعضه على بعض، ويتصرف بها ذلك التصرف ليوجد بها العلم والذوق معاً؛ وعبقرية الأدب لا تكون في تقرير الأفكار تقريراً علمياً بحتاً، ولكن في إرسالها على وجه من التسديد لا يكون بينه وبين أن يُقرها في مكانها من النفس الإنسانية حائل. وكثيراً ما تكون الأفكار الأدبية العالية التي يُلهمها أفذاذ الشعراء والكتاب هي أفكار عقل التاريخ الإنساني، فلا تفصل عنهم الفكرة في أسلوبها البياني الجميل حتى تتخذ وضعها التاريخي في الدنيا، وتقوم على أساسها في أعمال الناس، فتتحقق في الوجود ويعمل بها، وهذا طرفٌ مما بين الأدب العالي وبين الأديان من المشابهة.
ومتى نزلت الحقائق في الشعر وجب أن تكون موزونة في شكلها كوزنه، فلا تأتي على سردها ولا تؤخذ هوناً كالكلام بلا عمل ولا صناعة، فإنها إن لم يجعل لها الشاعر جمالاً ونسقاً من البيان يكون لها شبيهاً بالوزن، ويضع فيها روحاً موسيقية بحيث يجيء الشعر بها وله وزنان في شكله وروحه –فتلك حقائق مكسورة تلوح في الذوق كالنظم الذي دخلته العلل فجاء مختلاً قد زاغ أو فسد.
والخيال هو الوزن الشعري للحقيقة المرسلة، وتخيل الشاعر إنما هو إلقاء النور في طبيعة المعنى ليشف به، فهو بهذا يرفع الإنسانية درجة سماوية؛ وكل بدائع العلماء والمخترعين هي منه بهذا المعنى، فهو في أصله ذكاء العلم، ثم يسمو فيكون هو بصيرة الفلسفة، ثم يزيد  سموه فيكون روح الشعر، وإذا قبلت هذا النسق فانحدرت به نازلاً كما صعدت به، حصل معك أن الخيال روح الشعر، ثم ينحط شيئاً فيكون بصيرة الفلسفة، ثم يزيد انحطاطاً فيكون ذكاء العلم؛ فالشاعر كما ترى هو الأول إن ارتقت الدنيا، وهو الأول إن انحطت الدنيا، وكأنما إنسانية الإنسان تبدأ منه.
وإذا قررنا للشعر هذا المعنى، وعرفنا أنه فن النفس الكبيرة الحساسة الملهمة حين تتناول الوجود من فوق وجوده في لطف روحاني ظاهر في المعنى واللغة والأداء –وجب أن نعتبر نقد الشعر باعتبار مما قررناه، وأن تقيمه على هذه الأصول؛ فإن النقد الأدبي في أيامنا –كما يقول الرافعي، ويعني أيام الرافعي وليس أيامنا هذه- وخاصة نقد الشعر أصبح أكثره لا قيمة له، وساء التصرف به، ووقع الخلط فيه، وتناوله أكثر أهله بعلم ناقص، وطبع ضعيف، وذوق فاسد، وطنع فيه من لا يحصل مذهباً صحيحاً، ولا يتجه لرأي جيد، حتى جاء كلامهم وأن في اللغو والتخليط ما هو خير منه وأخف محملاً، فإنك من هذين في حقيقة مكشوفة تعرفها تخليطاً ولغواً، ولكنك من نقد أولئك في أدب مُزَوَّر ودعوى فارغة وزوائد من الفضول والتعسف يتزيدون بها للنفخ والصولة وإيهام الناس أن الكاتب لا يرى أحداً إلا هو تحت قدرته.. على أن جهد عمله إذا فتشته واعتبرت عليه ما يخلط فيه، أنه  يكتب حيث يريد النقد أن يحقق، ويملأ فراغاً من الورق حيث يقتضيه البحث أن يملأ فراغاً من المعرفة.


التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية