|
|
|
|

دور منهاج الّلغة العربية في الحفاظ على الهوية العربية ومواجهة تحديات العولمة
د. عبد الله بن مسلم الهاشمي
يشكل منهاج الّلغة العربية بفروعه اللغوية والأدبية مكوناً أساساً للمنهاج الدراسي في بلدان الوطن العربي، حرصا ًعلى تمكين الناشئة من مهارات الّلغة العربية، وإكسابهم المعارف المتصلة بها، وغرس قيم الاعتزاز بها، والمحافظة عليها في نفوسهم، لبناء شخصية عربية ذات كيان متميز، مستمد من تفرد المجتمع العربي، وقيمه، وعاداته، مبني على القدرات الذاتية، والخصائص الفردية لكلّ فرد.
وتقوم مناهج الّلغة العربية بدور محوري في تشكيل الهوية العربية للناشئ من خلال إكسابه مهارات الّلغة اللازمة للاتصال بأفراد المجتمع، والاطلاع على التراث الفكري والأدبي للسلف، الأمر الذي يحافظ على تدفق الّلغة العربية على ألسنة أبنائها، ويغرس فيهم الإيمان بقدرة الّلغة العربية، وعبقريتها في التعبير عن الأفكار والمشاعر، ويربطهم بأشقائهم في المجتمعات العربية الأخرى، ويسهل عملية التواصل معهم على امتداد الرقعة المكانية التي يعيشون فيها.
وتتناول هذه الورقة الّلغة العربية باعتبارها مكوناً أساساً من مكونات الشخصية العربية، ودور منهاج الّلغة العربية في الحفاظ على الهوية العربية ومواجهة تحديات العولمة من خلال محتوى المنهاج وأنشطته وخبراته، في فروعه المختلفة: القراءة، والاستماع، والتحدث، والكتابة، والنحو والصرف، والأدب، والنقد، والبلاغة، والعروض، ووسائل إبراز الوظائف الاجتماعية للغة والأدب في المنهاج، وانعكاس ذلك على تنمية الوعي القومي للمتعلم، وتبصيره بالتحديات المحيطة به، وإكسابه المهارات الأساسية للتحليل والنقد؛ ليتمكّن من التعامل مع ما يصل إليه من مواد الاتصال اللفظي، ويحمي ذاته من كلّ ما يتعارض مع توجهاته الشخصية، وقيمه الاجتماعية، ومبادئه الفكرية، ويتناقض مع قيم الحق والخير والفضيلة.
المقدمة
الّلغة العربية لغة فريدة، امتدت حياتها قروناً طويلة، استطاعت –وما زالت تستطيع- أن تعبّر عن كلّ متطلبات الإنسان العربي، وكانت لغة العلم والحضارة لفترة غير يسيرة، تتعلق بها أفئدة المخلصين من أهلها، وتهواها قلوب المسلمين من غير أهلها؛ لأنها لغة كتابهم المقدس، وعبادتهم، وشريعتهم، وهي لغة تتميز بتنوّع أصواتها، وسعة قاموسها، ومرونة أنظمتها الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية.
ويشكّل منهاج الّلغة العربية بفروعه اللغوية والأدبية مكوناً أساساً للمنهاج الدراسي في بلدان الوطن العربي، حرصاً على تمكين الناشئة من مهارات الّلغة العربية، وإكسابهم المعارف المتصلة بها، وغرس قيم الاعتزاز بها، والمحافظة عليها في نفوسهم، لبناء شخصية عربية ذات كيان متميز، مستمد من تفرد المجتمع العربي، وقيمه، وعاداته، مبني على القدرات الذاتية، والخصائص الفردية لكلّ فرد.
وتقوم مناهج الّلغة العربية بدور محوري في تشكيل الهوية العربية للناشئ من خلال إكسابه مهارات الّلغة اللازمة للاتصال بأفراد المجتمع، والاطلاع على التراث الفكري والأدبي للسلف، الأمر الذي يحافظ على تدفق الّلغة العربية على ألسنة أبنائها، ويغرس فيهم الإيمان بقدرة الّلغة العربية، وعبقريتها في التعبير عن الأفكار والمشاعر، ويربطهم بأشقائهم في المجتمعات العربية الأخرى، ويسهل عملية التواصل معهم على امتداد الرقعة المكانية التي يعيشون عليها.
وتتناول هذه الورقة الّلغة العربية باعتبارها مكوناً أساساً من مكونات الشخصية العربية، وتعرج على التحديات التي تواجهها، ثم تفصّل في دور منهاج الّلغة العربية في الحفاظ على الهوية العربية ومواجهة تحديات العولمة من خلال محتوى المنهاج وأنشطته وخبراته، في فروعه المختلفة: القراءة، والاستماع، والتحدث، والكتابة، والنحو والصرف، والأدب، والنقد، والبلاغة، وضرورة إبراز الوظائف الاجتماعية للّغة والأدب في المنهاج، وانعكاس ذلك على تنمية الوعي القومي للمتعلّم، وتبصيره بالتحديات المحيطة به، وإكسابه المهارات الأساسية للتحليل والنقد؛ ليتمكن من التعامل مع ما يصل إليه من مواد الاتصال اللفظي، ويحمي ذاته من كلّ ما يتعارض مع توجهاته الشخصية، وقيمه الاجتماعية، ومبادئه الفكرية، ويتناقض مع قيم الحق والخير والفضيلة.
الّلغة العربية والهوية
تؤدي الّلغة دوراً مزدوجاً للمجتمع والفرد، فهي بالنسبة للمجتمع وسيلته لصبغ الفرد بالصبغة الاجتماعية، ووصله بأفراده، وربطه بتراثه، وهي للفرد وسيلته في الاتصال بالآخرين، للحصول على حاجاته، والتنفيس عن مشاعره، ثم هي وسيلة التعلم، وقطف ثمرات قرائح الآخرين، والتأثير في أفكارهم، واتجاهاتهم.
إن لكلّ لغة نظامها الفريد في تأليف الأصوات في مقاطع وكلمات، وتركيب الجمل والعبارات من تلك الكلمات؛ لتحمل المعاني التي يسعى إلى نقلها المتحدث أو الكاتب، في شكل رسالة صوتية رمزية، تصل إلى المتلقي مستمعاً كان أم قارئا،ً فيعمل على تحويلها وفق النظام اللغوي الرمزي، وبحسب قدرته على التحليل والتفسير والفهم، لتنتج لديه أثراً معيناً وفق ما تحمله الرسالة من دلالات ومعان (مدكور، 1997).
ويؤكد محمد الكتاني (1997: 81) الدور المركزي للغة في تكوين هوية المجتمع، فيعدها بمثابة "الدم داخل الجسم الحي؛ فهي تحمل كلّ خصائص ذلك المجتمع العضوي البناء إلى كلّ فرد من أفراده. فالّلغة هي أساس التواصل التلقائي، وهي بمثابة شبكة التواصل، وقنوات النقل للتراث والمعرفة الواردة إلى الذات، أو الناقلة من الذات إلى الآخر، فضلاً عن كونها وسيلة الإفضاء بما في النفس إلى النفوس الأخرى بشفافية وصدق ونبض حياة".
وتشكّل الّلغة العربية إحدى مقومات الهوية لدى الإنسان العربي، وتطبع شخصيته بطابع مستمد من طبيعتها، وطريقتها في التعبير، التي تنعكس بدورها في طريقته في التفكير؛ فالّلغة نافذة الإنسان التي يطلّ منها بوعي على المجتمع من حوله، من خلال التفاعل مع الآخرين، ومصادر المعرفة المختلفة، وتقوم الّلغة بدور مركزي في مساعدة الإنسان على اكتشاف ذاته، وتكوين مفهومها لديه، وتكوين نظرته الخاصة إلى العالم من حوله (Mangieri, Staley, Wilhide, 1984).
والّلغة العربية سجل تراث المجتمع، ووسيلته للاتصال بأفراده، وعليه فهي سبيل الأفراد للاتصال بالمجتمع، والاطلاع على تراثه الفكري والحضاري، وبه يعرفون مكونات الشخصية الجمعية التي تؤلف بينهم، وتربطهم بأجيال المجتمع الماضية والحاضرة والقادمة، وتعرفهم بدورهم في بناء الحضارة الإنسانية، وإغنائها، وتدفعهم إلى المحافظة على الروابط التي تقوي علاقاتهم ككيان مستقل، وتحثّهم على مواصلة البناء الذي بدأه الأجداد سعياً إلى غد أفضل، ورغبة في مساهمة جلية في بناء صرح الحضارة الإنسانية.
والّلغة العربية تربط العربي بأشقائه في المجتمعات العربية الأخرى، وتشده إليهم، فتشعره بامتداد شخصيته الجمعية إلى تلك المجتمعات، وسعة تراثه، وغناء التجربة الإنسانية الفريدة التي ينتمي إليها، فتضيف إلى هويته بعداً آخر، يتمثّل في البعد القومي، فيتحرّر من أغلال الإقليمية الضيقة، إلى أفق أرحب، وفضاء أوسع. وبسعة التراث الفكري والأدبي للغة العربية، وامتداده عبر الزمان والمكان، يرتبط العربي بخبرات واسعة، وتجارب إنسانية متنوعة، تنتمي إلى تلك الأزمنة والأمكنة، فيستطيع الوصول إليها، والتفاعل معها، فترفد خبراته، ومعارفه، وتسهم في صقل شخصيته، وتهذيب عواطفه.
والّلغة العربية -علاوة على ذلك- هي لغة القرآن الكريم والسنة المطهرة، وهي لغة العبادة للمسلمين، فلها بعد مقدس، يجعل تعلمها ضرورة دينية، لتلاوة القرآن، وتدبر معانيه، والقدرة على أداء العبادات. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا البعد ذو أهمية خاصة؛ فالّلغة العربية تدين بامتدادها الزماني والمكاني إلى انتشار الإسلام، كما تدين بثراء الدراسات التي تناولتها إلى الرغبة في المحافظة على القرآن الكريم، وقد كان لهذا البعد أثره الكبير في الحفاظ على الّلغة العربية من الاندثار، وبقائها لغة متطورة نامية عبر العصور.
لقد نجح العرب قديماً في اعتماد لغة قريش لغة نموذجية موحدة، فانصرفوا إليها بتقعيدها، وضبط أحكامها، لتصبح النواة الخصبة لنمو لغة عامة زماناً ومكاناً، هي ما اصطلح على تسميته بالعربية الفصحى، يحركهم في ذلك باعثان، أولهما ديني وهو المحافظة على كتاب الله، وصيانته من بلبلة الألسن، وتفرقها، والآخر هو "العمل على وحدة الأمة، وحمايتها من التفرق والتشتت، ولا يكون ذلك إلا بلسان موحد، يعبر عن هويتهم وشخصيتهم، ويشكل لهم بناءً ثقافياً متكاملا،ً خاليا من تنافر العناصر، وشذوذ مكوناته". (بشر، 1999: 53).
إن الّلغة العربية هي الترسانة الفكرية والثقافية التي تبني الأمة وتحمي كيانها، وتحافظ على شخصيتها، وهي الدعامة الرئيسة لبناء الأمة وقيامها، لأنّها تمثل وسيلة التواصل والاتصال والصياغة لكلّ الأفكار، وللّغة دور فاعل في بناء الأمة وصناعة وجدانها، وبناء ذاكرتها، وتكوين هويتها وثقافتها، وضمان تماسكها، وتواصل أجيالها، وتوسيع دائرة تفاهمها وتفاعلها، والإسهام في تشكيل نمط تفكيرها وإبداعها، والتأثير في أخلاقها وسلوكياتها، وتحريكها وتغيير واقعها (محمد، 2007).
الّلغة العربية في عصر العولمة
واجه الّلغة العربية في العصر الحالي تحديات شتّى متعددة المصادر والاتجاهات، وفي مختلف المستويات والمجالات، في التربية والتعليم، وفي وسائل الإعلام والاتصال، وفي البحث والتأليف، يفرضها واقع لغوي هو انعكاس سلبي لعصر العولمة، أدّى إلى تضييع الناشئة لغتهم الأمّ؛ فأصبح من المألوف أن تتلجلج ألسنتهم عند الحديث بالعربية، فينشدون العون في الّلغة الأجنبية، يستمدون منها ما يكملون به عباراتهم.
إن الّلغة العربية اليوم تعيش واقعاً مراً؛ فهي بين مستهين بشأنها، غير آبه بالدقة والصحة في استخدامها لغة للتعبير والاتصال، وداع إلى نبذها، واستبدال الّلغة الأجنبية بها في التدريس والتأليف، حتى في المستويات الأولى من التعليم، مدعيا ًأنها عاجزة عن مواكبة العلم والتكنولوجيا، والاستجابة لما يحدث فيهما من تطور متسارع، ومناد بضرورة استخدام العاميات لغة للإعلام والإنتاج الأدبي، زاعماً أنها الوسيلة الأنجح في مخاطبة الجماهير، والوصول إلى عقولهم وقلوبهم.
لقد رميت العربية بتهم، وأقاويل بغية إقصائها عن مكانها المفترض لها عند العرب، وإحلال العامية، أو لغة أجنبية مكانها، ويلخّص وليد خالص (2007: 13، 14) هذه الأقاويل بمجموعة من النقاط، أهمّها أن العربية "لغة بداوة تفتقر إلى التجريد... لا عهد لها بالمخترعات الحديثة... وتفتقر إلى دقّة المصطلحات العلمية... كما إنَّ ما فيها من مصطلحات قليل يكاد يكون معدوم الجدوى... وهي بالضرورة ليست لغة عالمية... كما إنَّها من حيث دقائقها تفتقر إلى نظام تفصيلي للزمن في الفعل كما نجده في الّلغات الأوروبية... وهي لا تصلح أن تكون أداة لإقامة التفكير المنطقي".
وقد نتج عن ذلك إهمال كثير من أبناء العربية لغتهم، وتجاهل قوانينها في بناء الكلمة، ورسمها، وتركيب الجملة، وتأليف العبارة في مؤسّسات التعليم على اختلاف مستوياتها؛ الأمر الذي ولّد لدى الناشئة عدم احترام الّلغة، وقلّة المبالاة بأساليبها، وهون شأن إتقان مهاراتها، وتحرّي الدقة في استخدامها لغة للتعبير والاتصال في مجالات الحياة اليومية، ولغة للكتابة العلمية والتأليف والنشر في مؤسّسات التعليم والبحث العلمي.
وذلك كلّه سيفضي، بكلّ تأكيد، إلى نتائج أكثر سلبية تتمثّل بركوب مركب الانسلاخ والتنكر، متجليًا في مظاهر عدّة أخطرها: حبّ التظاهر والمباهاة بكلّ ما هو أجنبي في الّلغة، فيصبح التعامل بالّلغة الأجنبية، مشافهة أو كتابة سمة من سمات الحداثة والرقي في السلوك، وهذا المظهر يتجاوز السلوك فيصبح نمطًا من العقيدة، ويؤدي إلى تفضيل الّلغة الأجنبية على العربية إطلاقًا في كل منتج فكري (محمد، 2007)، وهذا يعني أن الأمر يتعدّى التأثير في اللسان وحده، بل يسري بهدوء، ورَيَث إلى العادات، والسلوك، وطرائق التفكير، ليصل إلى تغيير الولاءات نفسها، على اعتبار أنَّ الّلغة "في جوهرها خلاصة التجارب، والتقاليد، والمُثل التي تسود المجتمع الذي ينتمي إليه الفرد" (خالص، 2007: 18).
ومن هنا كان لزاماً على أهل الّلغة العربية الغيورين عليها، التداعي لتوفير أسباب حماية الّلغة المقدسة، من الأنواء والأعاصير التي تعصف بها، وانتشالها من الهاوية التي تتردى إليها على مختلف الصعد، وفي مختلف الجوانب، حماية للثقافة العربية من الاندثار والذوبان، وصوناً للهوية العربية من التلاشي والضياع؛ فإن الّلغة –كما يؤكد كمال بشر (1999: 54) "لا تجمد بنفسها، ولا تتخلف بطبيعتها، كما أنها في المقابل لا تنمو وتزدهر منعزلة عن مجتمعها، وما يجري فيه من أحداث"، وبطبيعة الحال فإن حياة العربية وازدهارها نابع –كما يؤكد وليد خالص (2007: 13) "من حياة أهلها، وإقبالهم، وقدرتهم على اكتشاف مكامن العبقرية، والثراء فيها، وتمكّنهم من توظيفها في عيشهم ومناحي حياتهم، مع مواجهة الأخطار المحيقة بها، وبهم وفق خطة عقلانية مرسومة من أظهر سماتها التخطيط، والنظر المستقبلي النابع من الواقع بغية رصده بصراحة حادّة من جهة، وتجاوزه إلى ما هو أفضل منه من جهة أخرى".
لقد قيض الله –جل وعلا- للعربية جمهرة كبيرة من الباحثين العرب وغير العرب، فدرسوها دراسة علمية منهجية، وتناولوا "تاريخها، وأصواتها، ونظامها، ونحوها، وصرفها، وتحرير معاجمها إلى غير ذلك من الدراسات، وانتهوا إلى جملة من النتائج هي في صالح العربية من حيث غناها، وخصوبتها، ودقّة نظامها، وقدرتها على مواكبة الجديد" (خالص، 2007: 14).
وللمدرسة في هذا الشأن دور خطير؛ لما لها من أهمية في صقل شخصيات المتعلمين، وتنمية جوانبها المختلفة، ويمكن أن تضطلع بمهمة فاعلة في غرس الاعتزاز بالّلغة العربية، والإيمان بقدرتها، وعبقريتها في نفوس المتعلمين، وتقديم نماذج صالحة، تثبت للناشئة ثراءها، وإمكاناتها الواسعة في التعبير، وقدراتها الهائلة في استيعاب معطيات التقدم العلمي، والتطور التكنولوجي، والتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، ومسايرتها، وغني عن القول إن خروج المتعلم من المدرسة باتجاه سلبي نحو الّلغة العربية يهدد كيان المجتمع، وينذر بضياع عنصر أساس من عناصر الهوية المتفردة للإنسان العربي، ويؤسس لفصله عن تراثه، وحرمانه من معرفة جذوره الثقافية، والاطلاع على دور أجداده في بناء الحضارة الإنسانية.
العلاقة بين المنهاج ولغة المجتمع:
يفرق علماء المناهج على بين مفهومين للمنهاج؛ تقليدي وحديث، فقد كان مفهوم المنهاج محصوراً في المقرر أو المادة الدراسية، ويشير إلى مجموعة المعارف التي يتلقاها المتعلّم في المؤسّسة التربوية، جاعلاً دور المتعلم تلقي المعرفة وحفظها واستظهارها عند الحاجة، ودور المعلم التلقين والتحفيظ، والبحث عن الأساليب المناسبة لذلك، قاصراً نواتج التعلم على قدرة المتعلم على حفظ أكبر قدر من المعارف والمعلومات، غير مبال بما بين المتعلمين من فروق في الاهتمامات والقدرات، وغير مهتم بتنمية تفكيرهم، وجوانب شخصيتهم الأخرى.
غير أن التطورات الاقتصادية والاجتماعية في العصر الحديث، وتبلور المنهج العلمي في البحث والتفكير، والنزعة نحو التجريب، وظهور نظريات التعلم، وتطور علم النفس التربوي، أدّت إلى تغيير النظرة نحو المتعلم، والعملية التعليمية برمتها؛ الأمر الذي دفع نحو ظهور المفهوم الحديث للمنهاج، القائم على النظرة إلى المنهاج على أنه جملة الخبرات التي تتيحها المؤسّسة التربوية للمتعلمين داخلها أو خارجها بغية تحقيق نموهم الشامل، وتعديل سلوكهم، بما يتفق والأهداف المنشودة.
وقد تعرض تقسيم مفهوم المنهاج إلى تقليدي وحديث إلى نقد من بعض التربويين، (عبدالله، 2001) منطلقين من أن التفريق بين الحقبتين اللتين ظهر فيهما المفهومان، العصور الوسطى والعصر الحديث، هو قائم على تقسيم المؤرخين الأوروبيين الذين يفرقون بين الحقبتين على اعتبار ما شهدته أوروبا من نهضة في العصر الحديث، أدت إلى تغيير كثير من جوانب الحياة لديهم، وأن ما يسمى بالعصور الوسطى، ووسمها بعصور الظلام والتخلف، كان بناء على ما كانت تعيشه أوروبا في تلك الفترة، بينما لم يكن هذا هو الواقع في بقاع أخرى من العالم، وخاصة العالم الإسلامي الذي كان يشهد نهضة علمية، وحركة تعليمية نشطة، قامت عليها النهضة الأوروبية الحديثة (عبدالله، 2001).
كما أن تركيز مفهوم المنهاج على "الخبرة" -كما عرفها جون ديوي-، وهو "التفاعل بين المتعلم والظروف البيئية المحيطة به" يجعل المنهاج قائماً على ما يمكن ملاحظته، وتجريبه، والتوصل إليه عن طريق التفاعل المباشر أو غير المباشر، وهذا بطبيعة الحال يستثني المعرفة الغيبية التي جاءت عن طريق الوحي، الأمر الذي يجعل هذا المفهوم مصادماً للعقيدة الإسلامية (عبدالله، 2001).
ولذلك يضيف عبدالرحمن صالح عبدالله (2001) إلى مفهوم المنهاج الحقائق الخالدة المستمدة من الكتاب والسنة، ويجعل الغاية إيصال كلّ متعلم إلى كماله الإنساني، من خلال إقراره بالعبودية لله سبحانه وتعالى، ويتوسع علي مدكور في مفهوم المنهاج، وينظر إليه على أنه نظام متكامل من والمعايير والقيم الثابتة، والخبرات والمعارف والمهارات الإنسانية المتغيرة التي تقدمها مؤسّسة تربوية إلى المتعلمين فيها.
ويُبنى المنهاج على مجموعة من الأسس المستمدة من المجتمع وثقافته، وفكره، والمتعلم وجوانب شخصيته، وخصائص المعرفة، وتحدد هذه الأسس طبيعة المنهاج، وتشكل أهدافه، ومحتواه، وخبراته وأنشطته، وطرائق التدريس فيه، وأساليب التقويم، كما تتحكم في تقويمه، وتطويره.
ولا ريب أن المجتمع ومتطلباته، ومشكلاته تشكل المصدر الأساس لأهداف المنهاج، ومحتواه؛ ذلك لأن المجتمع يوجد المدرسة، لتكون محضن أجياله، تنشئها بما يتلاءم وغاياته، وطموحاته، وقيمه، وتعدها للحياة فيه، بما تحتاجه هذه الحياة من معرفة بماضي المجتمع، وحاضره، وآماله، ومهارة في توفير سبل الحياة الكريمة، وقدرة على التكيف مع معطيات الحاضر، ومجابهة مشكلاته، وإيجاد الحلول المناسبة لها، وإعداد لمواجهة التحديات التي تهدد كيانه، وقبل هذا بناء شخصية ذات كيان متميز، مستمد من تفرد المجتمع، وقيمه، وعاداته، مبني على القدرات الذاتية، والخصائص الفردية، من دون إغفال تعرف طبيعة المجتمعات الأخرى، وإدراك ضرورة التعاون معها في بناء حضارة إنسانية قائمة على التفاهم، والتبادل، وإعلاء قيم الحق والخير.
إن كلّ مجتمع يسعى إلى صبغ أعضائه بالصبغة الاجتماعية؛ ليكونوا نافعين فاعلين في مجتمعهم، ويرى م. م. لويس (2003: 27) أن الّلغة هي وسيلة المجتمع إلى ذلك، وأن عضويته الفعالة في مجتمعه تعتمد مباشرة على قدرته على الاتصال بالآخرين، وهذه القدرة بدورها عامل أساسي في نموه باعتباره فرداً، وكلما ازداد الفرد توغلاً في عضويته للمجتمع، أدّت الّلغة دورا ًمتميزا ًليس في حياته الاجتماعية فحسب، بل في سلوكه، وإحساسه، وتفكيره الشخصي.
ويحصل الطفل على التنشئة الّلغوية بمجرد ولوجه باب الحياة، فتنمو لغته الأم، ويستطيع التعبير عن حاجاته الملحة، والاستجابة لمطالب الآخرين، متأثراً بنوع التنشئة التي يحصل عليها من المحيطين به، مدفوعاً بحاجته الفطرية إلى الاتصال بالآخرين من أجل تلبية مطالبه، والتعبير عن مشاعره وأحاسيسه (لويس، 2003: 29).
بيد أن التربية الّلغوية في المدرسة تتميز بأنها عملية موجهة، مبنية على السعي نحو صبغ الفرد بالصبغة الاجتماعية، هدفها الأساسي تطوير قدرة الفرد اللغوية، وإيصاله إلى طرق التفكير والإحساس السائدة في المجتمع؛ فالّلغة نظام يطبع المجتمع بطابع خاص، ويشكّل محوراً مشتركاً يلتقي عليه أفراده؛ فيسهم في تحديد سلوكهم، وطبيعة تفكيرهم، ويعينهم على الاتصال، والتعبير عن المطالب والمشاعر والآمال والآلام، ويمكنهم من ولوج عوالم المعرفة، ويفتح أمامهم أبواب الاتصال بتراث المجتمع، وإنتاجه الفكري في مختلف العصور.
دور منهاج الّلغة العربية في الحفاظ على الهوية
لعله اتضح إلى الآن التحدي الذي تواجهه الّلغة العربية بسبب طوفان العولمة، وما نجم عنها من تراجع في استخدام العربية في مختلف مستويات الحياة، وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من خطورة على هوية الأمة العربية، الأمر الذي يجعل مواجهة هذا الطوفان، حتمية لا مفر منها؛ للمحافظة على هوية الأمة، وحماية ثقافتها الفريدة، وإنقاذ أبنائها من التردي نحو هاوية الذوبان في الأمم الأجنبية، كما تجلت مركزية الّلغة العربية في المنهاج الدراسي، باعتبارها لغة التفكير، والتعبير، والاتصال، والتعلم، والتراث.
ويقوم النظام الرمزي للّغة على أربعة نظم أساسية؛ أولها النظام الصوتي الذي تأتلف فيه الأصوات، لتشكل المقاطع الصوتية، والكلمات، وثانيها النظام البنيوي أو الصرفي الذي يحكم عملية بناء الكلمة، وتصريفها، وفق نوعها، ووفق دلالتها، وثالثها النظام التركيبي أو النحوي الذي ينظم تركيب الجملة والعبارة من كلمات، تأتلف وفق نسق معيّن محكوم بالفكرة المراد إيصالها، ورابعها النظام الدلالي الذي يختصّ بدلالات المفردات، ومعانيها، وعلاقاتها في السياقات اللّغوية، والمجموعات الدلالية التي تنتظمها.
ولذلك يتكوّن منهاج الّلغة العربية من فروع عدّة؛ تلتقي على تمكين المتعلم من إتقان استخدام كفايات الاتصال اللغوي، فالقراءة تمكنه من تعرف الرموز الكتابية للّغة، ونهج الربط بينها في الكلمات، لتعرف الكلمات والجمل، وفهم معانيها، ثم تحليل النصوص، ونقدها، واستخدامها في التعلم، والتسلية، وحلّ المشكلات، وغير ذلك، وتأتي الكتابة رديفا للقراءة، ومكملا لها في التعامل مع الرموز الكتابية، إلا أن استخدامها يركز على إنتاج الرسائل اللغوية لا استقبالها كما هو الحال في القراءة. ويقابل هاتين القدرتين الاستماع والتحدث، وفيهما يركز المنهاج على الشكل الملفوظ للغة، استقبالاً في الاستماع، وإنتاجاً في التحدث.
غير أن فهم النظام الرمزي للّغة، والتمكّن منه يقتضي دراسة قوانين تأليف الكلمات، وتركيب الجمل والعبارات، والأسس التي يقوم عليها النظام المعجمي والدلالي، ومعايير التعبير التصويري والخيالي، وهذا كلّه يقدّمه منهاج الّلغة العربية في دروس الصرف، والنحو، والمعجم، والبلاغة، مستقلة، لتعميق الكسب والتحصيل، وممزوجة بالمواقف الأخرى لتعلم الّلغة، لبيان ترابط مهارات الّلغة، وتآزرها في أداء مهمة الاتصال اللغوي.
ويقدّم منهاج الّلغة العربية علاوة على ذلك، نصوصاً مختلفة تتيح للمتعلّم تحليلها، لاستكناه مضامينها، والتعرف إلى ترابط أفكارها، ومنهج الكاتب أو المتحدث في التعبير عنها، والحكم على صحتها، ومدى نجاحه في نقلها، ومدى قدرته في توظيف إمكانات الّلغة في التعبير والتصوير، للوصول إلى نقد ألفاظها وتراكيبها، وتذوقها.
ولهذه الدراسة جانب آخر، هو فسح المجال أمام المتعلم لإنتاج الّلغة تحدثا وكتابة بالاستفادة مما وعاه من قوانين رسم الكلام، وتركيبه، وتأليفه، ونقل الفكرة وتصويرها، وبما وجده من نماذج استخدمت فيها الّلغة في هذا الجانب، فتعرفه عن كثب، واستطاع الحكم عليه، واختيار ما يناسب منه.
وبالاستفادة من أهمية الّلغة العربية في المجتمع، والمكانة التي لا زالت تحتلها من زمن اليوم المدرسي، وباستثمار ما تملكه من طاقات وإمكانات في الجانبين اللغوي والأدبي، وبالاعتماد على المعايير الحديثة في تصميم المناهج الدراسية، وتخطيطها، وتطويرها، يمكن لمناهج الّلغة العربية، أن تسهم إسهاماً فعالاً في غرس الاعتزاز بالّلغة العربية، والإيمان بعبقريتها في نفوس الناشئة؛ الأمر الذي سيحفظ لهم كيانهم، وهويتهم، ويجعلهم أكثر قدرة على التعاطي مع متطلبات العصر الحديث، والاستجابة لمشكلاته، والتعامل مع تحدياته. ويمكن تلمس ذلك في جوانب عدّة تأتي مفصلة تحت العناوين الآتية.
1- إتقان كفايات الاتصال اللغوي
يعدّ الاتصال الوظيفة الأساسية للغة (يعقوب، 1982)؛ فعن طريقها يتصل الإنسان ببني جنسه، فيتبادل معهم الأفكار، والمعاني، والرغبات، والانفعالات، والمشاعر، في شكل رسالة لغوية، منطوقة يكون فيها المرسل متحدثاً، والمستقبل مستمعاً، أو مكتوبة يكون فيها المرسل كاتباً، والمستقبل قارئاً، وفي كلا الحالين تستخدم الرموز اللغوية لبث الرسالة، ولاستقبالها وفهمها.
ويختلف الأفراد في قدرتهم على استخدام الّلغة، وفق خبرتهم بالنظام الرمزي لها، ومهارتهم في استخدام ذلك النظام، الأمر الذي يؤثر في كفاءة الاتصال؛ فكلما كان فهم الإنسان للنظام الرمزي في لغته أعمق، وقدرته على استخدامه أكبر، كان أكثر قدرة على استخدام الّلغة، سواء في تلقي الرسائل التي يصدرها الآخرون استماعاً وقراءة، أم في إصدار الرسائل إلى الآخرين تحدثا ًوكتابة.
ويشهد عصر العولمة انفجاراً معرفياً هائلاً، وتقدماً تكنولوجياً سريعاً، وتطورا ًفي وسائل الاتصال، وانتشاراً لوسائل الدعاية والترويج، وكثرة في أساليب الإعلان والإغراء، إضافة إلى تعرض الفرد لتيارات شتى ذات اتجاهات متباينة، وغايات متعددة، تقدم أفكارها في ثياب غاية في التأثير والجذب، معتمدة في ذلك على إمكانات الّلغة وخصائصها في الاستمالة والإقناع، تصل الأفراد في شكل نصوص مقروءة أو مسموّعة؛ الأمر الذي يحتم تهيئة الفرد للتعامل معها، وتناولها بالتحليل، والتصنيف، والاختيار، والنقد.
ففي ظل سيل المعلومات والأفكار الذي يتدفق من القنوات الفضائية، يحتاج الإنسان إلى الحكم على صدق المحتوى المسموّع، وتقويمه، خصوصاً أن المستمع -كما أشار ديفاين- يبدو أكثر عرضة للتأثر بالقوة العجيبة للكلمة المنطوقة (Mangieri, Staley, Wilhide, 1984). وقد ذكر مدكور (1997) أن هذه المهارات تشمل نقد الرسالة بإبراز محاسنها وعيوبها، وإبداء الرأي في صحتها، وتمييز الحقائق من الآراء فيها، واكتشاف مدى تحيز المتحدث، أو تناقض ما يقدمه من أفكار، وهذا ما يقدمه منهاج الّلغة العربية للمتعلم؛ إذ يدربه على مهارات تحليل الأفكار المسموعة، ومناقشتها، والحكم عليها في ضوء ثقافته، ومعرفته، وربطها بخبراته الشخصية.
أما القراءة فمن المسلم به أنها وسيلة ضرورية للحصول على المعرفة التي أنتجها العقل البشري قديماً وحديثاً، بما فيها من حقائق، وآراء، وأفكار، ومشاعر، وخبرات، وتجارب، وبها تتوسع آفاق عقل المرء، وتتغذّى مشاعره، وتصقل خبراته، وتنمو ثروته المعرفية، فيصبح أكثر قدرة على الاستيعاب والتحليل والنقد، وعندئذ يمتلك ناصية التعلم الذاتي، الذي أصبح ضرورة في وقت انفجرت فيه المعرفة، وتضاعف حجمها، وأصبح لزاما على المرء أن يتعامل مع المادة الضخمة التي تجد طريقها إليه من خلال الوسائل المطبوعة والإلكترونية، وأن يتمكّن من انتقاء ما يحتاجه منها، وتمييز غثه من ثمينه.
والقراءة بذلك وسيلة ضرورية لا غنى للإنسان عنها، وبدونها يصعب الوفاء بمتطلبات الحياة العلمية والاجتماعية والعملية، ولئن كانت القراءة مفتاح التعلم والدراسة، فإنها كذلك مفتاح التوافق الاجتماعي، وطريق حلّ المشكلات، وسبيل الاتصال بالمجتمع؛ إذ بها يصل الفرد إلى سجل تراثه، ويتعرف إلى قوانين مجتمعه، وأنظمته.
وقد أثبتت البحوث التي أجريت في طبيعة القراءة أنها تضم عمليات معقدة تتضمن جملة من المهارات المترابطة المتشابكة التي يصعب ترتيبها في تسلسل متتابع، وكل مهارة منها تحتاج عدداً من المهارات الجزئية؛ فالقراءة سلسلة من أنواع النشاط العقلي التي تختلف باختلاف المناسبات والموضوعات، وهي عملية نامية، تنمو مهاراتها بنمو نضج المتعلم، واتساع دائرة خبراته، كما أن هذه المهارات مستويات مختلفة في تعقدها وصعوبتها (مجاور، 2000).
وتتيح دروس القراءة للمتعلم التعامل مع النصوص والاستفادة منها، عن طريق تدريبه على استخلاص الأفكار الرئيسة، وتمييزها من الثانوية، وتحديد مدى ترابطها، وتسلسلها، والحكم على صحتها في ضوء الخبرة الشخصية، والتفريق بين الحقائق والآراء، واكتشاف التناقضات والمبالغات والادعاءات، والحكم على مدى قدرة الكاتب على نقل فكرته بلغة مناسبة، وتحديد هدف الكاتب، إضافة إلى استخدام السياق في تعرف معاني الكلمات. ويرى كولينز Collins, 1993)) أن دروس القراءة تمنح فرصاً مناسبة لممارسة عمليات الفهم، والاستنتاج، وصناعة القرار، إذ يمكن من خلالها تدريبهم على التساؤل، والتنبؤ، وتنظيم الأفكار التي تدعم حكماً ما.
وبهذا يسهم منهاج الّلغة العربية في تمكين الإنسان من امتلاك الكفاءة في انتقاء ما يناسبه من مواد الاتصال التي يتلقاها عبر وسائل الاتصال المختلفة، والقدرة على تقويمها ونقدها في ضوء خبراته، وما يؤمن به من مبادئ وقيم.
2- الإيمان بعبقرية الّلغة العربية
يزوّد منهاج الّلغة العربية المتعلم بجملة من قواعد الّلغة في الكتابة، والصرف، والنحو، والبلاغة، والعروض، وتتيح له هذه الدراسة استجلاء أنظمة الّلغة العربية، ومعايير تأليف الكلام فيها، مما يغرس في نفسه الإيمان بعبقرية الّلغة العربية، ويطلعه على أسرار تميزها؛ فهو يتعرف نظام الّلغة العربية الفريد في رسم الحروف، وكتابة الكلمات، وهو نظام قائم على الكتابة الصوتية، ويمتاز بالسهولة والسلاسة حين يقارن بالأنظمة الكتابية للّغات الأخرى.
وفي تصريف الكلمات ونظام الّلغة العربية البديع في بناء الكلمات، واشتقاقها، ما يدلّ على ثراء الّلغة العربية، وسعتها، ومرونتها، وطواعية ألفاظها للدلالة على المعاني المختلفة، فدلالة الكلمات تتغير بتغير بنيتها، وباختلاف وزن الكلمة يختلف نوعها بين فعل، واسم فاعل، واسم مفعول، وصيغة مبالغة، واسم زمان أو مكان، واسم تفضيل، واسم آلة، وكلّ هذه الصيغ وغيرها يمكن اشتقاقها من جذر الكلمة؛ ليظهر مع كلّ تغيّر معنى جديد؛ الأمر الذي يؤكد قدرة الّلغة العربية على استيعاب الكلمات والمصطلحات الحديثة، والتعبير عن مفاهيم الزمان والمكان والأحداث والظواهر والأشياء.
وفي مستوى الجملة، يأتي النحو الذي يعرّف المتعلم بأسس تركيب الجمل وخواصها، وكيفية تأليف كلماتها، وعلاقة الكلمات ببعضها في الجملة، ثم علاقة الجملة بأخواتها في العبارة، وهذا يخدم الفكرة، ويحددها. ولا ريب أن ذلك يغرس في نفس المتعلم دقة لغته، وقيام جملها على العلاقات المحكمة بين الكلمات، وتأثر معنى الجملة بموقع الكلمة فيها، ووظيفتها، يقول تمام حسان (1998، 29): "ومن أمثلة صور احتباك تركيب السياق في الّلغة العربية، وكفاءة طرقها التركيبية ما يبدو في الجهاز الصرفي، وفي التعليق النحوي، وفي حقل الظواهر الموقعية السياقية؛ لأن كل هذه الظواهر مناط للمعاني الوظيفية".
وفي التعبير التصويري والجمالي، تأتي البلاغة التي تدرس جمال الأسلوب، وقدرة الأديب على صياغة تجربته في عبارات جميلة موحية، وتدرّب المتعلم على إدراك ما في النصّ من معانٍ سامية، وتذوّق ما به من جمال في اللفظ، والصورة، وهذا هو عين ما وصف به الإمام عبد القاهر الجرجاني علم البيان في كتابه دلائل الإعجاز، حين قال: "ثم إنك لا ترى علماً هو أرسخ أصلاً، وأبسق فرعاً، وأحلى جنى، وأعذب وروداً، وأكرم نتاجاً، وأنور سراجا،ً من علم البيان الذي لولاه لم تر لسانا ًيحوك الوشي، ويصوغ الحلي، ويلفظ الدر، وينفث السحر، ويقري الشهد ويريك بدائع من الزهر، ويجنيك الحلو اليانع من الثمر" (مدكور، 1997؛ الجرجاني في الموسوعة الشعرية).
إن المتعلم وهو يدرس قواعد الرسم والصرف والنحو والبلاغة ليشعر بعبقرية الّلغة العربية، وروعتها، وجمالها الكامن في طريقة رسم حروفها وكلماتها، وتصريف ألفاظها، وتكوين جملها، وربط عباراتها، ونقل الأفكار والمشاعر وتصويرها، فيتجلى له جانب من "الخصائص التركيبية المختلفة للّغة العربية، مما يتضح منه علاقاتها الداخلية، وعبقريتها في الصياغة، وأسرار جمالها، وكفاءتها... وهذه الخصائص مبان للمعاني، والمعاني غايات لها" (حسان، 1998: 29)؛ فيؤمن بقدرتها على البقاء والتطور، ثم إنه يجد فيها سبلاً مختلفة للتعبير والتنفيس، فيزداد إعجابه بها.
وحين تقدّم له القراءة نصوصاً مختلفة تتناول موضوعات تنتمي إلى التاريخ، والجغرافيا، والاجتماع، والطب، والهندسة، والعلوم الطبيعية، والتكنولوجيا، وغير ذلك، ويدرس طريقة الّلغة في نقل الفكرة، والربط بينها، وتسلسلها، يلمس فيها نموذجاً واقعيا،ً لقدرة الّلغة على التعبير عن علوم العصر، وحقائقها، ومفاهيمها، ونظرياتها، والاستجابة لتطوراتها، دون قصور في الإفهام، أو التواء في العبارة، فيزداد يقينه بطاقات لغته الخالدة، وإمكاناتها غير المحدودة.
وحين يتاح للمتعلم دراسة نصوص أدبية متنوعة، شعرية ونثرية، تتجلّى فيها العاطفة الجياشة، والإحساس المرهف، والتجربة الصادقة، وتبرز فيها إمكانات الّلغة العربية في نقل كلّ ذلك باللفظ المنتقى، والعبارة الموحية، والصورة الجميلة، ويجد فيها التعبير الفني المبدع؛ فيتأثر بها، وتبعث في نفسه المتعة والسرور –حين يتاح له ذلك- يشعر بعظمة لغته، وجمالها، وقدراتها المبدعة. وفي دراسته لهذه النصوص يتّصل بعشرات الأدباء من شعراء وناثرين، اتخذوا الّلغة العربية مطية للتعبير عن تجاربهم، وأفكارهم، ومشاعرهم فوجدوا فيها الناقل الأمين، والمنفس المريح، والمصور الموحي.
ينقل علي مدكور (1997: 51) عن هيتي قوله: "إنني أشهد من خبرتي الذاتية، أنه ليس ثمة من بين الّلغات التي أعرفها (وهي تسع لغات)، لغة تكاد تقترب من العربية سواء في طاقتها البيانية، أم في قدرتها على أن تخترق مستويات الفهم والإدراك، وأن تنفذ بشكل مباشر إلى المشاعر والأحاسيس، تاركة أعمق الأثر فيها. وفي هذا الصدد ليس للعربية أن تقارن إلا بالموسيقى".
وفي دراسة علوم الّلغة وفنونها يتعرف المتعلم على جهود جيوش من العلماء في مختلف العصور، عرب وغير عرب، جذبتهم العربية، وأوقعتهم في هواها، فدرسوا أصواتها، ومعجمها، وصرفها، ونحوها، وبلاغتها، وأدبها وأسهموا بذلك في اكتشاف قوانينها، وأنظمتها، واستقصاء عوامل تفردها، واستخراج دررها، والحفاظ عليها، فيدرك أن هذه الدراسات ما كانت لتتم لولا ما لهذه الّلغة من طاقات وقدرات، مكنت هؤلاء العلماء من البحث والتقصي، لقد أدرك هؤلاء العلماء –كما يقول تمام حسان (1998: 29)- "وجود خصائص تركيبية دقيقة للّغة العربية، وهذه الخصائص مبان للمعاني، والمعاني غايات لها".
إن كلّ ذلك ليغرس في نفس الطالب العربي إيماناً بعظمة لغته، وإدراكاً لطاقاتها التعبيرية، وإمكاناتها التصويرية، ويعرفه بأسرار خلودها، وأسباب بقائها وتميزها؛ وهذا ما يشهد به رينان، حين يقول: "من أغرب المشاهدات أن تنبت تلك الّلغة القوية، وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحارى عند أمة من الرحل، تلك الّلغة التي فاقت إخوانها بكثرة مفرداتها، ودقة معانيها، وحسن نظام مبانيها، وكانت هذه الّلغة مجهولة عند الأمم، ومن يوم علمت ظهرت لنا في حلل الكمال إلى درجة أنها لم تتغير أي تغير يذكر، حتى أنها لم يعرف لها في كل أطوار حياتها لا طفولة ولا شيخوخة، لا نكاد نعلم من شأنها إلا فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تبارى، ولا نعلم شبيها لهذه الّلغة التي ظهرت للباحثين كاملة من غير تدرج، وبقيت حافظة لكيانها من كل شائبة" (إسماعيل، 1999: 37).
3- امتلاك كفايات التفكير
يعدّ بناء قدرات المتعلم العقلية من أهم الأهداف التي يسعى المنهاج إلى تحقيقها، ويأتي التفكير السليم في مقدمة تلك القدرات، وتقع على المنهاج مسؤولية كبرى في كشف قدرات المتعلم العقلية، وتنمي طاقة التفكير عنده، من خلال تحديد الأنشطة والخبرات التي تهيئ الفرصة لتنمية قدرة الطالب العقلية، وترفعه من مرتبة التقليد الأعمى والسير على هدى الآخرين، إلى مرتبة العقل المستنير للسير على هدي تفكيره، والقفز به إلى مرتبة الإبداع.
وينقل الحر (2001) عن فيشر (Fisher, 1998) أن لزيادة الاهتمام بالتفكير، وتنمية مهاراته لدى المتعلمين مجموعة من الفوائد، منها أن تدريس التفكير يكسب المتعلم رضا وسعادة، ويزيد من دافعيته للتعلم والعمل، ويكثر من فرص نجاحه في الحياة، وفاعليته في المجتمع، كما أن المهارة العالية في التفكير ترفع من قدرة المتعلم على استيعاب المعرفة والتعامل معها، وتمكنه من اكتساب مهارات التعلم الذاتي.
ولئن كانت العلاقة بين التفكير والّلغة قضية اختلف فيها العلماء بين مؤكد أن التفكير لا يتمّ من دون الّلغة، وبين ناف لهذا، مثبت أن الّلغة ليست شرطاً للتفكير، فإنهم يتفقون أن الّلغة تسهل الفكر وتمهده، وتساعد على نموه (يعقوب، 1982).
ويساعد تعليم الّلغة على صقل فكر المتعلم، وتزويده بألفاظ متنوّعة، يمكن أن يستخدمها رموزا ًفي تفكيره؛ وذلك يعينه على إدراك ما حوله، والتفكير فيه، والتعبير عنه، فينتقل من المدركات الحسية إلى المدركات المعنوية، ويربط الألفاظ بالمعاني ليكون أفكاراً جديدة. كما يستطيع بالّلغة المناقشة، وتحليل الأفكار، وتركيب الألفاظ والمفاهيم، والتعبير عن طرق تفكيره في حل المشكلات، وتسهل له الّلغة عمليات التصور والتخيل والابتكار، ثم التعبير عنها؛ فالّلغة تبين إلى أي مدى ينظم الفرد أفكاره، وتصوراته، وذلك من خلال تحليله وتجريده للمواقف والخبرات التي يمر بها (إسماعيل، 1991).
ويهيئ منهاج الّلغة العربية مواقف شتى، يمارس فيها المتعلم مهارات التفكير المختلفة من فهم، واستنباط، وتحليل، وتركيب، وتفسير، وتنبؤ، وتنظيم، وتصنيف، واستقصاء، وتقويم من خلال دروس القراءة والاستماع التي يتعامل فيها مع النصوص اللغوية وفق ما أشير إليه سابقاً، ومن خلال دروس التحدث والكتابة التي يمارس فيها المتعلم، التصور والتخيل, وتوليد الأفكار، وتصنيفها إلى رئيس وفرعي، وانتقاء الألفاظ المناسبة للتعبير عنها، ثم سبكها في جمل وعبارات، والربط بينها بما يشي بتسلسلها، واضعاً نصب عينيه معايير الّلغة في بناء الكلمات، وتأليف الجمل والعبارات.
وتلتقي دروس الإملاء والصرف والنحو والبلاغة والعروض في حمل المتعلم على التفكير، وإدراك الفروق الدقيقة بين الكلمات، والتراكيب، والعبارات، وتعويدهم دقة الملاحظة، والموازنة، والحكم، وتدريبهم على استخدام الألفاظ والجمل استخداما ًصحيحاً، وهي بذلك تكوّن في نفوسهم الذوق اللغوي السليم، وتعينهم على تمييز الصواب من الخطأ، وتمكنهم من تحليل الألفاظ والعبارات، وإدراك علاقتها بما تؤديه من معانٍ.
إن فرص التفكير المتنوعة التي يتيحها منهاج الّلغة العربية للمتعلمين، وما يمدهم به من ألفاظ تغني قاموسهم اللّغوي، وما تزودهم به من وسائل لبناء الكلمات وتأليف الجمل، لينفث في روع المتعلم سعة لغته، وتجعله يدرك ما تقدمه له من تسهيلات لإتمام تفكيره، والتعبير عن أفكاره، وكلّ هذا يعزّز إيمانه بقدرة هذه الّلغة على تلبية مطالبه وحاجاته.
4- دور الأدب في تنمية الوعي القومي والتذوق
يختصّ الأدب بنقل المشاعر والأحاسيس والتجارب، في تعبير جميل، يتسم بالتأثير والإيحاء، ويستخدم الصورة والخيال، فيدفع المتلقي إلى الإحساس بما فيه من مشاعر، ومعايشة مبدعه تجاربه وخبراته، والأدب يصور الحياة، بما فيها من أحداث، وأشخاص، وحزن ورضا، وسعاد وشقاء، وألم وأمل، ويرسم قيم الخير والحق والجمال، ويأخذ القارئ إلى عوالم بعيدة عنه زمانا ًومكاناً وواقعاً ليشاهد معالمها، فتتوسع خبراته، ويجد الراحة النفسية والمتعة الفكرية.
وقد كان الشعر للعرب منذ القديم بمثابة سجل مفاخرهم ومآثرهم، وكتاب أخبارهم وأيامهم، ولذلك حرصوا على تعليم أبنائهم الشعر؛ ليشبوا وقد تشربوا تلك المفاخر، وعرفوا تلك الأخبار، فيتكون لديهم وعي بماضي أسلافهم، وما عايشوه من محن، وما مرّ بهم من أزمات، وكيف استطاعوا التغلب عليها، وتجاوزها.
ويذكر التربويون المحدثون أهدافاً متعددة يمكن أن يحققها تدريس الأدب للناشئة (أنظر مثلاً: شحاتة، 1993؛ البجة، 2001)، إلا أنه يمكن ردّ تلك الأهداف إلى أهداف لغوية تتمثّل في إكساب المتعلم ثروة من الألفاظ والتراكيب تعينه على التعبير عن أفكاره ومشاعره، وتنمية قدرته على تحليل النصوص، ونقدها، وتذوقها، وأهداف معرفية تتعلق بتوسيع خبراته وفهمه لحياة الناس، والطبيعة من حوله، وأهداف تتعلق بإكساب المتعلم جملة من القيم السامية، والأخلاق النبيلة.
ولعل من أهم هذه الغايات تنمية الوعي القومي، باعتبار أن الأدب معبّر عن آمال الأمة وطموحها، ومصوّر للمشكلات والتحديات التي تواجهها، ويمكن أن يؤدي هذا الدور من جانبين، أولهما أن الأدب يعمل على وصل المتعلم بتراثه الأدبي في مختلف العصور، فيظلّ المتعلم مربوطاً بتاريخ أمته؛ فالأدب ينقل عصارة عواطف الآباء، ويحمل إلى الأحفاد ثمرة عقول الأجداد، فهو سبيل لحفظ التراث، وتقويمه، وعرضه على الجيل الحاضر، والآخر تنمية وعي المتعلمين لإدراك فكرة الوطن العربي الكبير، والأمة العربية الواحدة، وإبراز مقوماتها، فالأدب قاسم مشترك بين أقطار الوطن العربي، وعامل تجميع وتوحيد ( أحمد، 1979).
ويعبّر ياسر سليمان (Suleiman, 2000) عن ذلك بأن الأدب يربط المتعلم بأبناء أمته العربية أفقياً عبر العصور المختلفة، وعمودياً عبر أقطار الوطن العربي الكبير؛ ففي دراسة نماذج من الأدب عبر العصور المختلفة يمكن للأدب أن ينقل للمتعلمين العوامل التي وحدت أمتهم في مواجهة الأخطار الكبرى التي أحدقت بها، ويغرس في نفوسهم الاعتزاز بماضي أمتهم وإنجازاتها، وفي دراستهم الأدب الحديث في مختلف أقطار الوطن العربي يتعرف المتعلمون إلى التحديات التي تواجه أمتهم، ويؤكد الوشائج التي تجمعهم، وتجعل منهم أمة موحدة ذات هوية فريدة.
ويدين الأدب في ما يحدثه من تأثير في نفس المتلقي وفكره إلى الّلغة الجميلة التي تسكب فيها معانيه، فالأديب ينتقي الكلمات والصور، وينظمها على نحو يضمن التأثير في العقل والوجدان معاً، وحتى يستطيع المتلقي فهم الرسالة المتضمنة، وتذوقها فإنه بحاجة إلى تأمل نسيج النص، بدءاً من استبصار معاني الكلمات والتراكيب، وتأمل إيحاءاتها، وتتبع مضامينها، إلى قراءة الصور والأخيلة، وتمثل أثرها في نقل الرسالة، إلى استنتاج العلاقات والروابط بين أجزاء النص.
ويسعى منهاج الأدب أساساً إلى تنمية القدرة على تذوق الاستخدام الأدبي للّغة؛ فالمتلقي لا يملك إلا دراسة الّلغة وأدواتها المختلفة، حتى يتمكن من فهم الرسالة والتفاعل معها، ولعل في دراسة الإمكانات اللّغوية للنص ضماناً لتنمية الحساسية اللغوية، التي تعني وعياً كاملاً بعناصر الاستخدام الّلغوي، إذ يحتاج المتلقي إلى تحليل النص إلى مكوناته من أجل إعادة بنائه من جديد (Widdowson, 1992).
إن تنمية الحساسية للاستخدام اللغوي غاية هامة ينشدها منهاج تدريس الّلغة، لأن لها أثرا ًكبيراً في فهم عملية الاتصال اللغوي، إذ تدفع مستخدم الّلغة إلى الدقة في الفهم والتعبير، نتيجة لوعيه بالعلاقات بين عناصر الأسلوب، وإدراكه لإمكاناتها، ومعرفته بدلالاتها وإيحاءاتها. أضف إلى ذلك أن هذا الوعي، وما يتبعه من نشوة تنتج عن اكتشاف دقائق الاستخدام، وكيفية توظيفها في النتاج اللغوي عموماً، والأدبي خصوصاً، يشجع المتلقي على الإقبال على الأدب، حيث يجد فيه المتعة والسرور، ويرى ويدوسون (Widdowson, 1992) أن هذه المتعة ضرورية للإنسان؛ فهي توفر له فرصة يستطيع فيها "إعادة شحن" طاقاته، ليؤدي واجباته بنشاط وحماس.
ولا بدّ هنا من ذكر دور القراءة الجهرية أو الإلقاء في تذوق النص، والإحساس بإيقاعه وموسيقاه، وهي تساعد المتعلم على اكتساب الطلاقة والجرأة الأدبية، وتعوده على اجتياز المواقف التي تتطلب مواجهة الجمهور، وتعدّ مدخلاً لفهم النص، عن طريق سماعه مقروءاً قراءة صحيحة لا تلتبس فيها كلماته بغيرها، إضافة إلى أن فيها تعويداً للأذن على الاستماع إلى الموسيقى الشعرية، وبإدراكها يتمكن الفرد من تكوين القدرة على تمييز النشاز الموسيقي الذي قد يصيب الشعر إن لم يحسن إلقاؤه.
الخاتمة
يوفر منهاج الّلغة العربية للمتعلم فرصاً شتى من خلال ما يتضمنه من محتوى وأنشطة وخبرات، يلمس فيها المتعلم سعة لغته، ودقتها، وتفرد أنظمتها، وجمالها، وطاقاتها التعبيرية، وإمكاناتها التصويرية، ويتيح له مواقف متنوعة تمكّنه من التعبير عن أفكاره، ومشاعره، وتجاربه، وآماله، وآلامه، والاتصال بغيره من أبناء مجتمعه، ويمكنه من امتلاك مهارات التفكير والتعلم الذاتي، ويشده إلى قومه من خلال الأدب المعبّر الموحي، الذي يشاركه فيه أبناء الوطن العربي الكبير؛ فيشعر بأواصر القربى التي تجمعه بهم، وتتكون لديه صورة واضحة لهويته المتميزة.
إن منهاج الّلغة العربية حين يوجه جهوده نحو إكساب الناشئة لغتهم بما يمكنهم من استخدامها في تحقيق الاتصال والتعبير وتسهيل التفكير، وحين يلمسون واقعاً عبقرية لغتهم في أنظمتها المختلفة، ويمارسون عمليات التفكير في تحليل النصوص، وتقويمها، وتذوقها، واكتشاف أغراضها ومضامينها، وحين يتصلون بتراثهم الأدبي الخالد عبر العصور -حين يفعل المنهاج ذلك- يقدّم خير ردّ على أدعياء تخلف العربية وجمودها، وعجزها عن مجاراة العصر، والتعبير عن العلم والتقنية؛ فلا تزيده هذه الادعاءات إلا تمسكاً بلغته، وحرصاً على المحافظة عليها.
ثم إنه يدرك بذلك أنه سيخسر خسارة عظيمة، لو أزيحت هذه الّلغة، واستبدلت بها لغة أجنبية أو لهجة عامية، فلن يتهيأ له أن يتصل بالتراث العلمي والأدبي لأسلافه، ولن يتاح له أن يكون الأخوة اللغوية التي تصله بعدد كبير من البشر على امتداد رقعة واسعة من المعمورة؛ فلا تكون النتيجة إلا العزلة، وضيق الأفق، والتقوقع في إطار إقليمية ضيقة.
وهو في الوقت ذاته يعطي المتعلم مفاتيح مواجهة تحديات العولمة، من مهارات يحتاجها للتعامل مع طوفان مواد الاتصال اللغوي الذي يصل عبر وسائل شتى، فيستخدم كفاياته في التحليل والتصنيف والنقد والتقويم، ليصل إلى ما تحمله من غايات، وينتقي منها ما يتوافق مع أهدافه، ومبادئه.
لقد باتت الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى، لتطوير منهاج الّلغة العربية، بحيث يوجه نحو غاياته الحقيقية، واعتماد مدخلي الاتصال والوظيفية في اختيار محتواه وأنشطته، وتقديمه بحيث يكون مزوداً بعناصر الجذب والتشويق؛ وتخليصه مما يعانيه من عيوب في أهدافه، ومحتواه، وأنشطته، وخبراته، وطرق تدريسه، وأساليب تقويمه؛ ليكون مؤهلاً ليأخذ بيد المتعلم للاستعداد لتحديات العولمة، ومواجهتها، والتعامل معها بما يتناسب ومعطياتها.
مؤسسة الفكر العربي
|
|
|
|
|
|