|
|
|
|

التأثّر والتأثير بين الصحافة والأدب من حيث اللغة
أ. إبراهيم الطائي
عرّف الأدب بأنه فن التعبير بالكلمة، وفي الوقت نفسه وظّفت الصحافة اللغة وسيلة رئيسة للتعامل مع الجمهور(مع استخدامها لوسائل أخرى كالصور والرسوم)، ولذلك فأول ما تشمله الدراسة هو تأثير الأدب الحديث والصحافة في اللغة وانعكاس هذا التأثير فيهما. ولا شك في "أن الأدباء الأوائل الذين نشأت على أيديهم الصحافة، كان لهم دورهم في تخليص اللغة العربية من قيود التكلف والتزويق اللفظي والعبارات المسجوعة، لتكون بعد ذلك لغة عصرية تجسّد التجربة الإبداعية وتعبر عن فنون الأدب بأسلوب مشرق دقيق العبارة، لطيف الإشارة، بل هو السهل الممتنع حقا"[1].
فالأدب القديم كان يكتب للخاصة، وكان الأديب يتوخّى أن يكتبه بلغة عالية وأسلوب رفيع يلائم هذه الطبقة الخاصة وما تصبو إليه وتحبّذه، أما بعد ظهور الصحافة، فقد بدأ الأدب ينشر في الصحف، فأصبح يكتب للناس جميعاً ولمختلف الطبقات، سواء أكانت مثقفة ثقافة عالية أم ثقافة متوسطة، لذلك توخّى الأديب في كتابته لغة فيها كثير من الإيناس في التعبير والألفة واختيار الألفاظ، كما توخّى الأساليب السهلة بحيث أصبح هذا الأدب مفهوماً لدى أكثر عدد من القراء[2].
وقد رافق نشر الأدب في الصحف الكثير من الدعوات لتيسير اللغة وأساليبها واستخدام الأدب الشعبي – كما يسميه سلامة موسى¨ -، حتى إن بعضهم دعا لاستخدام اللغة العامية، وبعضهم اكتفى بالدعوة للغة وسطى (لغة بين الفصحى والعامية)، وآخرين رضوا بالتسهيل من حيث الفكرة– منهم د. طه حسين والعقاد والمازني ومحمود شاكر والرافعي - ولكن اشترطوا أن تكون للأديب لغته الموحية المعبّرة التي لا تشابه لغة الصحافة[3]، إذ إن هناك "إجماعاً على أن الشاعر والأديب يستخدمان اللغة استخداماً خاصاً"[4] ، بل أن الأدب نوع من الكتابة "يمثل ـ كما يقول الناقد الروسي (رومان ياكبسون)¨ ـ عنفاً منظماً يمارس ضد لغة الحديث العادي، فيغيّرها ويميّزها عن هذا الحديث"[5].
وهذه الدعوات بمختلف درجاتها أجمعت على ضرورة ترك الاستخدام المتعسّف لفنون البلاغة، والتي كانت لزمن قريب هي لغة الأدباء، وكان التقعّر والتعقيد فيها دلالة على الحذق والتميز.
إن هذه التوجهات وما دار بينها من مساجلات ونقاشات، كانت إحدى نتائج نشر الأدب بمختلف أنواعه في الصحف لملايين الناس، فبعد إن كان الأديب والشاعر يلقي أدبه بين الخاصة من أمراء وعلماء وبلغاء فيرتفع بلغته، ويتفنن في الغريب من الألفاظ والمعاني والأساليب، أصبح – بفعل الصحافة – يتحدث مع عموم الناس وبمختلف طبقاتهم، فلزمه ذلك التبسيط في لغته والبحث عن المألوف من الألفاظ والمعاني والأساليب، كي يفهمها المتلقي ويتأثر بها.
أما الصحافة فقد بدت متأثرة بلغة الأدب – بمختلف مستوياتها السابقة – عند نشأتها، وقد يكون السبب في ذلك أن اغلب كتابها حينذاك كانوا من الأدباء، فكانت ترتفع لتصل إلى فنّ المقامة في العصور الوسطى، أو تسفل للغة الحديث العامي، ولكن لم تلبث طويلاً لتصنع لها لغة خاصة، بألفاظ وأساليب تناسب وظيفتها، ومن ثمّ بدأت تؤثر بعموم اللغة وتطورها وبضمنها لغة الأدب والفن[6].
وليس من المبالغة في شيء إذا ما قلنا إن الصحافة - بحكم صلتها الوثيقة بالأدب - مهّدت إلى تبسيط اللغة والقضاء على غوامضها وطلاسمها بحيث يفهمها القرّاء بمختلف مستوياتهم الثقافية، ورققت الألفاظ وألانت المعاني، كما أن الصحافة زودت اللغة بالحيوية والطاقات الهائلة للتعبير عن كل ما هو جديد ومستحدث سواء أكان ذلك أدباً أم علماً[7] .
إن الأدب أمدّ الصحافة العربية – خاصة – في نشأتها بلغته الموحية وجمالياته في استعمال اللغة، بينما كانت لغة (التلغراف) هي الأشهر في الصحف الإخبارية العالمية، ولكن لم يمرّ زمن طويل حتى استقلت الصحافة بلغة خاصة بها، صنعتها من تمازج اللغة الأدبية، باللغة العامية من جهة، وبالترجمة من اللغات المختلفة من جهة أخرى، فضلا عن تأثّرها بسرعة الأداء والاختصار الشديد واختلاف مستويات القرّاء، وفوق ذلك كله المستويات المتفاوتة للصحفيين أنفسهم، ثم تقدّمت الصحافة أكثر لتصنع لها أساليبها المبتكرة الخاصة باعتمادها على دراسات علم النفس وسيكولوجية الجماهير، لتوفق بين أهدافها ووسائلها للوصول لهذه الأهداف[8].
"ومن الواضح أن كينونة لغوية خاصة بالإعلام نشأت وتأصلت مع تعاقب الأزمان وتراكم الخبرات والمعارف، مختلفة إلى حدّ كبير عن اللغة الأدبية التي بدأ بها الكتّاب كتاباتهم الصحفية الأولى، ومختلفة عما يقال انه لغة وسطى تخاطب جميع الفئات الاجتماعية، فقد أصبح لهذه اللغة نظامها في التعبير عن الأفكار، ومصطلحاتها الخاصة وتجاوزاتها المشروعة إعلامياً على نحو اللغة، والأهم من كلّ هذه الخصائص ما تمتلكه اللغة الإعلامية من دهاء ومخادعة في استخدام المجازات اللغوية التي يراد لها أن تعبر عن فكر المؤسسة"[9].
وبعد أن توفّرت الفرصة لانطلاق صناعة الإعلام التي تستند على القدرة في مخاطبة الجموع والتأثير فيها، كان لا بد وقتها من إدراك أن آليات التأثير في فئة معينة متجانسة الفكر والتوجهات والأصول الطبقية هي غير الآليات التي يشترطها التأثير في جمهور عريض غير متجانس وغير مرئي إلا بصفته جمعاً.
وكان لا بدّ من استحداث لغة جديدة تختلف عن لغة الأدب والفلسفة من جهة، وعن لغة العوام من جهة أخرى، وقد أريد لها أن تكون لغة صحفية ( عندما كانت الصحيفة هي الشكل الإعلامي الوحيد السائد ولكنها اليوم تسمى اللغة الإعلامية بسبب تعدد الوسائل) بخصائص محددة: تكون توصيلية تستطيع حمل الأفكار والرسائل، وعلى قدر كاف من المناورة البلاغية لتمرير الرسائل الحساسة، تفيد من الموروث الثقافي، وسليمة من الأخطاء اللغوية والنحوية.
كل هذه العناصر هيّأت للغة الإعلام قبولاً جماهيرياً لدى غالبية أفراد المجتمع، وعلى اثر ذلك أصبح للغة الإعلامية حضور طاغ ينتشر في حياة الناس ويصدر عن ألسنتهم، فكثير من الناس يتبنون أسلوب الحديث الذي يسمعونه من التلفزيون... ويتبنون طرق الكتابة التي يقرؤونها في الصحف، فبعضهم يسمع كلام الإعلام أكثر من سماعه للحديث العادي، ويقرؤون الصحف أكثر من قراءتهم لأي مطبوع آخر، ما يعني أن اللغة الإعلامية اخترقت فضاء التخاطب لتمسي لغته، وكما يقول داني شيتشتر¨: اللغة الخبرية لها أسلوب في الانصهار مع لغتنا الخاصة بالطريقة نفسها التي يمتصّ بها الأطفال، اللغة، واللهجة، وتعبيرات الوالدين: ما نسمعه مرّة وثانية في الإعلام يندمج في الصوت الداخلي، نحن نعيد ما يتكرر[10].
وكي نتعرّف إلى حجم الإنتاج اللغوي للمؤسسات الإعلامية، ومدى قدرة هذا الكم على تغيير اللغة وخلق عولمة خاصة بها، ننظر – مثلاً - إنتاج يوم واحد لوكالات الأنباء الأربع الكبرى (رويتر، اسوشييتد برس، يونايتد برس انترناشنال، وكالة الصحافة الفرنسية)التي تبثّ غالبية الأخبار للعالم، نلاحظ أن مجموع إنتاجها الإخباري يقدّر بحوالي 33 مليون كلمة، وهذا يظهر الحجم الهائل للغة الإعلامية التي يتم إنتاجها يومياً بواسطة عملية معقّدة تقود في النهاية إلى قناعة مفادها أن ما ينتج هنا هي اللغة وليس الخبر[11].
فنحن – لهذا – أمام لغة عالمية جديدة، لها أساليبها ودلالاتها، ألفاظها عربية – في صحفنا وإعلامنا –، استطاعت أن تبسط سيطرتها على اللغة الصحفية ولغة الناس ومن ثم التأثير بلغة الأدب أيضا، وهذا لا يعني أنها قطعت تماماً عن اللغة الأم – العربية في بلداننا – فهي قد استعملت ألفاظها وبعض أساليبها، وهذا لا يعني – أيضا – استسلام الأدب لهذه اللغة وخضوعه لها تماماً، بل استطاع الأدب أن يحافظ على لغته الخاصة مع تأثّره بلغة الإعلام طبعاً.
ومن الفروقات التي حافظت عليها لغة الأدب توظيفها للخيال والصورة أو ما يسمى (بتجسيم المعاني)، أما الصحافة فوسيلتها لغة الحياة الواقعية تتخذها أساسا للتعبير والإبانة، وتحرص على أن تكون معانيها هي ما تدل عليه ألفاظها... وإذا أردنا أن نحدد الفرق بين الأديب والصحفي في استخدام الأصباغ الفنية المعروفة، فسنرى انه كالفرق بين الصورة ذات الألوان الكثيرة وتلك صورة الأدب – والصورة ذات اللونين الأبيض والأسود فقط – وهذه صورة الصحافة[12].
الأدب العربي
|
|
|
|
|
|