للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي الحادي عشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

القصة التي تتكرر

أ.د. نصر الدين لعياضي

 خرجنا من الندوة التي انعقدت على هامش المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون بتونس، والتي كان موضوعها “حظ الثقافة في القنوات التلفزيونية العربية”. وكان النقاش محتدما حول مفهوم الثقافة، والثقافة التلفزيونية تحديدا. فاقترب مني أحد الصحفيين طالبا مني نسخة من مداخلتي. ولم يفوّت الفرصة ليلكزني بما تعوّدت على سماعه منذ عقود في دول المشرق العربي: الجزائريون لا يعرفون اللغة العربية. أجبته مازحا: إن مداخلتي لا تنفعك لأنني كتبتها باللغة الأوردية، وأنت، كما يبدو لي، لا تتقنها. لم يبتسم لأنه أدرك معنى المزحة الذي تطعن في صحة ما قاله. فتمنى مني أن أتريث قليلا ليروي لي القصة التالية: تلقيت كغيري من الصحفيين دعوة للمشاركة في ندوة صحفية عقدها معالي سفير الجزائر في 1999 في بلدي. وكان ممثلا للجزائر لدى جامعة الدول العربية.  فبعد أن رحّب بالحضور بدأ في هجاء الكلمات التي يبدو أنها كتبت له. فشعرنا بالملل لأننا كنا نسمع جملا صوتية متقطعة لم نفهم معناها من كثرة الأخطاء في نطق الكلمات، وإجادته للعبث بالنحو والصرف. وكنا ننتظر بفارغ الصبر أن ينتهي من إلقاء كلمته لنسأله عن أوضاع الجزائر التي كانت تعاني، في تلك الأثناء، عزلة دبلوماسية قاسية وتتعرض لحملة إعلامية مغرضة، وتعيش سنواتها الدامية. فهطلت عليه الأسئلة من كل فج عميق. وكان يرد دائما بالجملة التالية: إن الإرهاب مفروض من طرف الشعب. وكلما كررها ازدادت حيرة الصحفيين الذين لم يجنوا من هذا اللقاء سوى المزيد من الغموض عما يجري في الجزائر. لقد كانوا يتطلعون إلى أن تزوّدهم هذه الندوة بمعلومات جديدة، ورؤية أكثر دقة لكيفية خروج الجزائر من أزمتها. واستطرد محدثي قائلا: اقتربت من معالي السفير في حفل الشاي الذي أقيم عقب هذه الندوة الصحفية لأسأله: لعلك كنت تقصد أن الإرهاب مرفوض من قبل الشعب وليس مفروضا. فصافحني بحرارة قائلا: هذه هي الكلمة التي كنت أبحث عنها منذ أيام!
أبت غيرتي الوطنية أن أجاري الصحفي فيما أراد الوصول إليه، وودّعته بالقول: إن هذا السفير لا يعكس علاقة الشعب الجزائري باللغة العربية. لكن وسواس الأسئلة ظل يطاردني. فظننت أن هذا السفير لم ينل من الحظوة ما يمكنه من تمثيل الجزائر في فرنسا أو بلجيكا أو سويسرا، فلماذا لم يعيّن في السينغال مثلا أو مالي أو بوركينافاسو أو مدغشقر أو أي دولة أخرى ناطقة باللّغة الفرنسية؟ ولماذا يُبعث إلى دولة تحتضن مقر جامعة الدول العربية، وكل الدول الكبرى في العالم تحرص على أن يكون ممثلوها فيها من الناطقين باللغة العربية من أبنائها؟ بل إن بعضها تحرص على تعيين مستشرقيّها الذين يستطيعون أن يميزوا بسهولة أبيات شعر البحتري عن شعر أبي تمام
تذكرت هذه القصة وأنا أتصفح مشروع القانون السمعي- البصري الذي يمكن القول أنه وليد عملية قص ولصق من القوانين الفرنسية بتصرف، أي بتكيّفه مع نوايا المشرّع الجزائري وليس مع ظروف الجزائر. فجهود المشرعّ تجلت في الترجمة فقط. وأي ترجمة. فمترجم هذا المشروع ومراجعه لا يفرقان بين: Avertir - أنذر، و Excuser – أعذر.  فعوض أن يقول تقوم سلطة الضبط بإنذار-  أو لفت نظر- كل المخّلين بقوانين إنشاء قنوات تلفزيونية ومحطات إذاعية خاصة، قال تقوم سلطة الضبط بإعذار –  وهذا المصدر لا وجود له في اللغة العربية. ونتيجة لهذا الخطأ في الترجمة أصبحت المواد التالية: 92 و93 و94 و95 من مشروع القانون المذكور تتضمن معان مخالفة لما كان يريد المشرعّ سنّه وبلوغه.
لعل أحد جهابذة اللغة العربية يعترض على اعتراضي على الترجمة. ويذكّرني بقول العرب العاربة: “أعذر من أنذر وأنصف من حذر”. وهو من الكلام البليغ الذي يقصد به أن من أنذر وحذّر لا يترك عذرا لمن أنذره. لكنني أصر على أن معنى أعذر لا يتطابق مع معنى أنذر. ومن يشكك في ذلك، فإنه ينتسب إلى الجماعة التي لا تفرق بين رفض وفرض.   

الخبر

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية