للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  دعوة للمشاركة والحضور           المؤتمر الدولي العاشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

لغات ولهجات - 3

د. محمد سعيد حسب النبي

 

إن السبب الرئيس في تفرع اللغات إلى لهجات ولغات هو سعة انتشارها. غير أن هذا السبب لا يؤدي إلى ذلك بشكل مباشر؛ بل يتيح الفرص لظهور عوامل أخرى تؤدي إلى هذه النتيجة، وباستقراء هذه العوامل في الماضي والحاضر يظهر لنا أن أهمها يرجع إلى عدة طوائف –كما أشار علي وافي في كتابه اللغة والمجتمع. ومن هذه الطوائف: العوامل الاجتماعية السياسية؛ والتي تتعلق باستقلال المناطق التي انتشرت فيها اللغة بعضها عن بعض وضعف السلطان المركزي الذي كان يجمعها ويوثق ما بينها من علاقات. وذلك أن اتساع الدولة وكثرة المناطق التابعة لها واختلاف الشعوب الخاضعة لنفوذها.. كل ذلك يؤدي غالباً إلى ضعف سلطانها المركزي وتفككها من الناحية السياسية، وانقسامها إلى دويلات أو دول مستقل بعضها عن بعض. وغني عن البيان أن انفصام الوحدة السياسية يؤدي إلى انفصام الوحدة الفكرية واللغوية.

ومن العوامل المهمة أيضاً في تشعب اللغات العوامل الاجتماعية النفسية؛ والتي تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة من فروق في النظم الاجتماعية والعرف والتقاليد والعادات ومبلغ الثقافة ومناحي التفكير والوجدان. فمن الواضح أن الاختلاف في هذه الأمور يتردد صداه في أداة التعبير.
ومن العوامل المؤثرة في ذلك السياق العوامل الجغرافية؛ والتي تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة من فروق في المناخ وطبيعة البلاد وبيئتها وشكلها وموقعها.. وما إلى ذلك، وفيما يفصل كل منطقة منها عن غيرها من جبال وأنهار وبحار وبحيرات..إلخ. فلا يخفى أن هذه الفروق والفواصل الطبيعية تؤدي إلى فروق وفواصل.
ومن العوامل المهمة أيضاً العوامل الشعبية والمتمثلة فيما بين سكان المناطق المختلفة من فروق في الأجناس والفصائل الإنسانية التي ينتمون إليها والأصول التي انحدروا منها. وينضاف إلى العوامل السابقة العوامل الجسمية الفسيولوجية، والمتمثلة فيما بين سكان المناطق المختلفة من فروق في التكوين الطبيعي لأعضاء النطق.
فانقسام المتكلمين باللغة الواحدة تحت تأثير هذه العوامل إلى جماعات متميزة، واختلاف هذه الجماعات بعضها عن بعض في شؤونها السياسية والاجتماعية، وفي خواصها الشعبية والجسمية والنفسية، وفيما يحيط بها من ظروف طبيعية وجغرافية. كل ذلك وما إليه يوجه اللغة عند كل جماعة منها وجهة تختلف عن وجهتها عند غيرها، ويرسم لتطورها في النواحي الصوتية والدلالية وغيرها منهجاً يختلف عن منهج أخواتها؛ فتتعدد مناهج التطور اللغوي حسب تعدد الجماعات، ولا تنفك مسافة الخلف تتسع بين اللهجات الناشئة عن هذا التعدد، حتى تصبح كل لهجة منها لغة متميزة مستقلة غير مفهومة إلا لأهلها.
ويبدأ الخلاف بين هذه اللهجات من ناحيتين: إحداهما الناحية المتعلقة بالصوت؛ فتختلف الأصوات (الحروف) التي تتألف منها الكلمات الواحدة، وتختلف طريقة النطق بها تبعاً لاختلاف اللهجات. والأخرى الناحية المتعلقة بدلالة المفردات؛ فتختلف معاني بعض الكلمات باختلاف الجماعات الناطقة بها.
أما القواعد سواء في ذلك ما يتعلق منها بالبنية Morphology أو ما يتعلق منها بالتنظيم Syntax، فلا ينالها في المبدأ كثير من التغيير. ومثال ذلك –كما أشار وافي- اللهجات العامية التي انشعبت عن العربية في العراق والشام والحجاز واليمن ومصر وبلاد المغرب؛ فإنه لا يوجد بينها إلا فروق ضئيلة في نظام تكوين الجملة وتغيير البنية وقواعد الاشتقاق والجمع والتأنيث والوصف والنسب والتصغير..إلخ. على حين أن مسافة الخلف بينها في الناحيتين الصوتية والدلالية قد بلغت حداً جعل بعضها غريباً على بعض.
ولكن هذه الوحدة في القواعد لا تقوى على مقاومة عوامل التفريق إلا لأجل معلوم، ثم تهن قواها وتستسلم لهذه العوامل فيصيبها منها ما أصاب الصوت والدلالة من قبل، وحينئذ تقوى وجوه الخلاف بين اللهجات، وتبدأ مرحلة تحولها إلى لغات مستقلة، ولا تنفك تذهب حثيثاً في هذا الطريق حتى تبلغ غايته.
غير أنه تبقى –كما يقول وافي- وجوه شبه قريبة أو بعيدة في أصول المفردات وبعض مظاهر القواعد العامة، وضرب وافي مثلاً على ذلك في طوائف اللغات الهندية-الأوربية؛ فعلى الرغم من استحكام ما بينها من حلقات الخلاف، فإن الأصل الأول قد ترك في كل منها آثاراً بما بينها من صلات قرابة وتشهد بتفرعها عن أرومة واحدة.
ومن هذا يتبين أن اللغة لا تموت حتف أنفها؛ فما لم تصرعها لغة أخرى على الوجوه التي أشرنا إليها في مقالات سابقة لا يتطرق إليها الفناء، وخلودها هذا يبدو في أحد مظهرين؛ فأحياناً تحتفظ بوحدتها، وذلك إذا ظلت حبيسة على منطقة ضيقة وفئة قليلة، وأحياناً تنشعب إلى لهجات ولغات، وذلك إذا انتشرت في مساحات واسعة من الأرض، وتكلم بها طوائف مختلفة من الناس.     
 

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية